تنقسم «قطاعات» (Sectors) أي دولة عصرية، من الناحية الاقتصادية، إلى ثلاثة قطاعات، هي : «القطاع العام»: المملوك والمدار من قبل حكومة الدولة، و «القطاع الخاص»: الذي يمتلكه (ويديره) المواطنون لحسابهم، بمعزل عن الحكومة، و «القطاع المختلط»: الذي تعود ملكيته لكل من القطاعين، الحكومي والخاص، وإن بنسب متفاوتة
أما سياسياً، فإن الدولة الحديثة تكون – في الغالب – عبارة عن «مؤسسات» مختلفة. وتنقسم هذه المؤسسات (من الناحية السياسية) إلى ثلاثة أنواع، هي:
1– المؤسسات الرسمية (الحكومية) : ويتصدرها أجهزة السلطات الحكومية الثلاث، التشريع (البرلمان)، والتنفيذ (مجلس الوزراء) والقضاء (المحكمة العليا) وكل ما يتبع هذه المؤسسات من دوائر وهيئات.
2- المؤسسات السياسية غير الرسمية (غير الحكومية) : وتنحصر في : الأحزاب السياسية، بأنواعها واتجاهاتها المختلفة، وجماعات الضغط (المصالح) التي تسعى – لدى الحكومة – لخدمة مصالح معينة. ويندرج ضمن هذه الجماعات أي مؤسسة تمثل «الرأي العام» – كلياً أو جزئياً.
3- مؤسسات «المجتمع المدني» : أو المؤسسات الشعبية، وهي : الجمعيات والمؤسسات التي تنشأ – بمبادرات شعبية – لتقديم خدمة معينة للمنتمين إليها، ولا يكون هدفها الربح المادي... مثل : الجمعيات العلمية، والمهنية، والجمعيات الخيرية، ومؤسسات الدفاع عن حقوق الإنسان... إلخ.
وكثير من علماء السياسة يقسمون «مؤسسات » الدولة الحديثة – أي دولة – إلى قسمين فقط هما : المؤسسات الحكومية (وتشمل ما ورد في البند 1 أعلاه)، ومؤسسات المجتمع المدني : وتشمل كل ما ورد في البندين 2، 3. وهذا ما تراه غالبية علماء السياسة الأمريكيين بخاصة.
كما تسمى هذه المؤسسات بـ«المنظمات غير الحكومية» (NGOs). والمؤسسات الموجودة في الدولة من هذا النوع هي منظمات غير حكومية وطنية. كما أن هناك – كما هو معروف – «منظمات دولية غير حكومية» دولية...... تنحصر «العضوية» فيها في : الجماعات والأفراد والمنظمات غير الحكومية المختلفة، في أكثر من دولة.
* * *
وقيام مؤسسات المجتمع في أي بلد، وممارسة نشاطها، يعد تعبيراً عن : تحرر المواطنين من ربقة إجراءات الحكومات، وسطوتها وبيروقراطيتها... وتمكين فئات الشعب المختلفة من ممارسة خدمة مصالحها الهامة بنفسها، بعيداً عن التدخل الحكومي،
ودعماً لمبدأ سيادة الشعب، الذي استتب في الواقع العالمي منذ أكثر من قرنين، وبدأ يرسخ، ويزداد صلابة، مؤخراً.
وقد أصبحت مؤسسات المجتمع المدني، التي تمارس نشاطها بحرية، ودون تدخل حكومي يذكر، عبارة عن : الأذرع المنفذة لمبدأ الديمقراطية، في أرض الواقع السياسي. وأضحت معظم الدول الديمقراطية الحديثة تحكم (وتدار شؤونها المختلفة) في الواقع الفعلي، من قبل مؤسسات المجتمع المدني فيها، بصفة أساسية. كما أمست هذه المؤسسات تمثل «ضرورة» حضارية حديثة، و«أداة» عصرية فعالة... لتحقيق تطلعات الشعوب نحو الحرية والعدالة والمساواة.
* * *
وفي عالمنا العربي، لاشك أن تواجد ودور مؤسسات المجتمع المدني كان – ومازال- محدوداً، بسبب ضعف أو غياب المبدأ الديمقراطي، في غالبية الدول العربية. ومؤخراً، بدأت تجتاح العالم العربي – مع هبوب بعض الرياح الديمقراطية – موجة التوسع – نوعاً ما – في إقامة مؤسسات مجتمع مدني مختارة. وتفاءل البعض... ظناً منهم أن هذه «الموجة» ستعني : حدوث التحول المنتظر، في كثير من دول العالم العربي، وحصول «النقلة» النوعية، التي طال انتظارها، من قبل شعوب بعض هذه الدول.
وبدأ هذا المصطلح يدخل قاموس السياسة العربية اليومي، ويتردد على أسماع وأنظار الناس، في وسائل الإعلام العربية المختلفة. كما بدأت تعقد المؤتمرات والمنتديات، في داخل وخارج الوطن العربي، التي تناقش واقع مؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، والمأمول منها مستقبلاً
* * *
ومن أبرز المؤتمرات التي عقدت عن هذا الموضوع خارج العالم العربي، هو : منتدى دور مؤسسات المجتمع المدني العربي : خمسة أمثلة، والذي عقد تحت رعاية «مؤسسة هانس سيدل» (Hanns Seidel Stiftung) وهي عبارة عن أكاديمية للعلوم السياسية والقضايا الراهنة، وجامعة الدول العربية، في الفترة 19-22 يونيو 2006م، في قرية «وايلد باد كروث» الرائعة الجمال، وذات الطبيعة الخلابة (بالقرب من مدينة «ميونخ»)، وشارك فيها عدد كبير من الأساتذة المتخصصين والخبراء العرب والألمان. وأبرز من شارك في هذا المؤتمر مندوبون... يمثلون الدول العربية الخمس، التي أتخذت «أمثلة» ونماذج لمؤسسات المجتمع المدني العربي، من حيث الواقع والمأمول، وهي : السعودية، مصر، الأردن، ليبيا، تونس. وتكون الوفد السعودي من أربعة أساتذة، أرسلتهم الحكومة السعودية، إيماناً منها بأهمية (وضرورة) مؤسسات المجتمع المدني، وانطلاقاً من حرص قيادتنا الرشيدة على العمل لاستفادة هذه البلاد من كل «الوسائل» العصرية، التي تسهم في خدمة الصالح العام، وتحقيق كل ما فيه خير للمواطنين، وتبني لما يسهم في ازدهارهم ورقيهم، في إطار ثوابت المملكة الدينية والوطنية، المعروفة.
وقد تشرف كاتب هذه السطور بالمشاركة في وفد المملكة، وإلقاء بحث فيه. وحظي بحضور فعاليات هذا المنتدى، الذي تنبع أهميته – دون شك – من أهمية وحيوية موضوعه. ولعل أهم ما خلص إليه هذا المؤتمر هو : أن مؤسسات المجتمع المدني، في معظم عالمنا العربي، مازالت تحبو... ومازال قيامها، وممارسة نشاطها، تحيط به الكثير من القيود والمعوقات (الحكومية وغير الحكومية).... وما لم تسهل مهمة قيام هذه المؤسسات، ويحرر نشاطها من الإجراءات المعيقة، فإن دورها سيكون هامشياً ومحدوداً. أي أن أهم عنصر لنجاح هذه المؤسسات هو «الاستقلالية»... وأن عدم توفر هذا العنصر يلغي «مدنية» تلك المؤسسات – ويحولها إلى مؤسسات حكومية، أو شبه حكومية – وينسف – بالتالي – الغرض النبيل الذي إستحدثت هذه الوسيلة من أجل تحقيقه... خدمة للصالح العام للمعنيين.
ولتأكيد قناعتها بضرورة مؤسسات المجتمع المدني، في هذا العصر، فإن حكومة المملكة تعد حالياً مشروع «نظام المؤسسات والجمعيات الأهلية»، الذي يدرس الآن بمجلس الشورى، ويتوقع أن يصدر قريباً. وهو نظام يحرص على تحقيق التوازن الدقيق المطلوب بين «الاستقلالية» اللازمة، وضرورة وجود جهة مرجعية، تتولى مهمة الإشراف. وسيعطي – كما تتمنى غالبية المعنيين بهذا الموضوع – أكبر قدر ممكن من الاستقلالية لهذه المؤسسات..... حتى يتحقق الهدف الجليل من قيامها.