الكتابان الوحيدان اللذان يسرد فيهما ابن سينا آراءه عن الشعر والفن بعامة هما: معاني الشعر، والآخر فن الشعر، وهو شرح لكتاب أرسطو. وفي كليهما كان تركيزه منصبا على المتلقي «بوصفه المقصود من توجه المقدمات الشعرية نحو إيقاع التخييل». وتركيز ابن سينا على المتلقي لا يماثل اليوم ما نعرفه عن نظريات التلقي أو الاستقبال المعاصرة؛ فهذه الأخيرة تراهن على فاعلية القارئ أو المتلقي في إبداع النص، بخلاف ابن سينا الذي لا يعدو أن يكون المتلقي في خطابه الفلسفي سوى شرط لإتمام عملية الإبداع الشعري . فالمتلقي ــ نوعا ما ــ كائن سلبي ومحايد. فما هو التخييل الذي يكون إتمام العملية الشعرية متوقفا على إيقاعه في نفس المتلقي ؟
يقول ابن سينا «التخييل هو انفعال من تعجب أو تعظيم أو تهوين أو تحقير أو غم أو... إلخ، من غير أن يكون الغرض من المقول إيقاع اعتقاد البتة»، ولذا فهذه المقدمات الشعرية أو المخيلة «ليس من شرطها أن تكون صادقة ولا كاذبة».
ومما يدل على سلبية المتلقي قوله في موضع آخر: «الشعر كلام مخيِّل ... والمخيِّل هو الكلام الذي تذعن له النفس؛ فتنبسط عن أمور، وتنقبض عن أمورٍ من غير روية وفكر واختيار». ولذا وصفه ابن سينا بأنه «انفعال نفساني غير فكري؛ سواء أكان القول مصدقا به أو غير مصدق، وربما كان المتيقن كذبه». ولما كانت النفوس «تنفعل طاعة للتخييل لا للتصديق» رأى ابن سينا أن معالجة الشعر ــ من وجهة نظر المنطقي ــ هي معالجة في غير محلها، فالمنطقي مشغول بالمقدمات المنطقية لا المخيلة والشعرية.
كيف يقوم الشعر بإيقاع التخييل (أو: كيف يكون الشعر شعرا؟).
يكون ذلك بعدة طرق:
أولا. المحاكاة: ويريد بها ابن سينا ما يريده البلاغيون العرب من مفهوم التشبيه أكثر من إرادة معنى المحاكاة في الأدب اليوناني. رغم أن المحاكاة، على أية حالٍ، أعم تصورا، يقول ابن سينا نقلا عن أرسطو: أنواع المحاكيات ثلاثة: تشبيه، واستعارة، وتركيب. ويسمى النوع الثالث بالذوائع؛ ويريد بها الاستعارات والتشبيهات المشهورة التي صار أرباب الصناعة لا يتوقفون عندها كتشبيه الحبيب بالغزال والكريم بالبحر!
على أنه إذا كان أرسطو يرى أن الشعر محاكاة، فإن ابن سينا يرى أن المقدمات الشعرية «ليست كلها بمحاكيات، بل كثير منها مقدمات خالية من الحكاية (يقصد المحاكاة) أصلا، إلا أن نحو قولِها موجه نحو التخيل فقط». وهذا يعني أن التخييل هو الشرط الجوهري في الخطاب الشعري.
ثانيا. الوزن والإيقاع: يلجأ إليه الشعر «ليكون أسرع تأثيرا في النفوس؛ لميل النفوس إلى المتزنات والمنتظمات التركيب».
ثالثا. الصنعة: فمما يحتال به الشعر أيضا لإيقاع التخييل ما يمكن أن نسميه بالصنعة أو البديع. يتحدث ابن سينا عن حيل لفظية ومعنوية كالتزويق والتقسيم والترصيع والمشاكلة والمخالفة.. ونحوها.
رابعا. وهو متصل بالسابق، وهو ما يوقع التخييل بدون حيلة. حيث يكون نفس اللفظ فصيحا من غير صنعة فيه، أو يكون المعنى بديعا من غير صنعة ولا غرابة. وهنا ترتكز جمالية الشعر على اللغة بحد ذاتها.