منذ رأيته ــ سعود السنعوسي ــ واستمعت إليه في ملتقى مجلة العربي الثاني عشر 4 ــ 6 مارس 2013م الذي نظمته ودعت له المجلة تحت مسمى (الجزيرة والخليج العربي، نصف قرن من النهضة الثقافية)، منذ ذلك اليوم وأنا معجب به ومتابع لإبداعه.
أدار الجلسة المخصصة للحوار مع الروائي الكبير والكاتب إسماعيل فهد السماعيل، واشترك في الجلسة التالية مباشرة تحت عنوان: (شهادات روائية من الجزيرة العربية) إلى جانب الروائيين: فوزية شويش السالم ويوسف المحيميد ومحمود الرحبي وهدى الجهوري. بإدارة جيدة من الروائية الرائعة ليلى العثمان.
رأيت وسمعت السنعوسي وهو يتحدث ويقدم السماعيل ويلخص شيئا من أعماله الروائية ويقف مع محاولاته ورصده لأحداث احتلال الكويت ودور المقاومة من خلال عمل الروائي السماعيل.
لقد شدني السنعوسي بتواضعه وصراحته ووضوحه وتمكنه من اللغة واعتماده على المختصر المفيد، وإبداء إعجابه وإكباره لمن يتحدث عنه بكل تواضع.. أكد ذلك ما قالته ليلى العثمان بعد ساعة وهي تقدمه رغم صغر سنه ــ يقف على أبواب الثلاثين ــ وهي تتحدث عن روايته الأولى والوحيدة ــ وقتها ــ (سجين المرايا) إلى جانب النصوص القصصية والإبداعية الأخرى.. فهو يكتب في المجلات: العربي والكويت والأبواب، ويعمل كاتبا في جريدة (القبس).
وطبعا، كانت روايته الأولى قد فازت في العام الماضي بجائزة ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية في دورتها الرابعة ــ كما حاز على المركز الأول في (قصص على الهواء) في المسابقة التي تنظمها مجلة العربي بالتعاون مع إذاعة
الـ(بي، بي، سي) العربية، وذلك عن قصة (البونساي والرجل العجوز) في يوليو 2011م.
وتوج هذا بفوزه هذا العام بجائزة (البوكر) العالمية بنسختها العربية في دورتها الخامسة لعام 2013م عن روايته الجديدة (ساق البامبو).
كان السنعوسي وهو يتحدث عن السماعيل يستعرض أعماله ويذكر زيارته للفلبين عند ما كان يعد لروايته التسجيلية عن فترة الاحتلال.. ولم يتطرق إلى روايته هو (ساق البامبو)، والتي تتحدث عن الفلبين القادم منها العاملة المنزلية (جوزفين)، والتي سيتزوجها راشد الطاروف ــ وتنجب له عيسى (هوزيه) كما يطلق عليه بالفلبين ــ وتجبره والدته على طلاقها وتسفيرها وابنه في شهره الثاني إلى الفلبين. وتتسارع الأحداث ويحتل الكويت ويشارك راشد مع المقاومة ويقبض عليه وتوجد جثته فيما بعد بالعراق ويعاد دفنه بالكويت بعد التحرير بحفل مهيب. ويتولى صديقه غسان ــ من فئة البدون ــ بإجراءات إعادة ابنه عيسى إلى الكويت، ويعود ليلاحقه الشؤم، فيوم وصول والدته جوزفين إلى الكويت للعمل لدى والدة راشد (غنيمة) يفجر موكب الأمير ــ منتصف الثمانينات ــ ويوم ولادة عيسى تخطف الطائرة (الجابرية)، ويوم عودته للكويت بعد حوالي 18 عاما يتوفى الأمير جابر الأحمد وتنكس الأعلام ويحزن عليه الجميع، ولهذا يتأجل لقاؤه بجدته (غنيمة) ويبقى في ضيافة صديق والده غسان، حتى ينتهي الحداد وتنسى الجدة ما حدث حتى لا تتشاءم أكثر.. وعند ما وافقت جدته وعماته على انتقاله للسكن في قصرهم شريطة استضافته بغرفة ملحقة بقسم الخدم ألا يتحدث مع أحد منهم، وألا يذكر أنه يمت لهم بصلة ويحكم عليه بالبقاء بغرفته معزولا عمن يأتي لهم زائرا فيقضي يوم العيد معزولا بغرفته إلا من (سلحفاته).
ويسأل صديق والده غسان وهما في طريقهما للقصر: لماذا لم تتزوج؟ فيرد عليه: ما الذي يمكنني توريثه لأبنائي سوى صفة ظلت لصيقة بي طيلة حياتي.. البدون يا عيسى، جينة مشوهة.. تتعطل بعض الجينات ولا تصل إلى الأبناء.
الرواية (ساق البامبو) من أجمل وأفضل ما قرأت.. صحيح أنني قد قرأت رواية عبده خال (ترمي بشرر) واستمتعت وأعجبت بها وهي الفائزة بالبوكر في دورتها الثانية، وقرأت رواية رجاء عالم (طوق الحمام)، والفائزة ــ مشاركة ــ في الدورة الثالثة والتي أتعبتني حتى أكملتها خلال فترة لا تقل عن شهر.
أما ساق البامبو فقد امتلأت بالإسقاطات الجميلة، والتي يهدف من ورائها إلى معالجة كل هموم ومشاكل المجتمع القبلية والطائفية والمذهبية والعادات والتقاليد وتفاوت المستويات، ويلتقي مع بعض العمال من جنسية والدته الفلبين، ويقول أحدهم: قمة الحظ هو أن تولد كويتيا، ويشارك في حملة الدعاية لانتخابات مجلس الأمة والمرشح لها عمته هند الطاروف ويرفع مع من تعرف عليه وصادقهم بالكويت شعار (الكويت ليست للبيع)، فعمته التي رفضت والدتها زواجها من صديق شقيقها راشد الطاروف. فغسان ــ في نظرهم ــ من (البدون) فتنذر نفسها للأعمال الخيرية والاجتماعية وتنشط في جمعية حقوق الإنسان، ومع ذلك لم تستطع أن تقنع والدتها بقبول ابن شقيقها والاعتراف به بدعوى أن والدته فلبينية وخادمة وتخاف من كلام الناس، فيعود إلى الفلبين بأوراقه الرسمية ككويتي والمعروف أن (البامبو) شجر استوائي. «متناسيا أن النباتات الاستوائية.. لا تنمو في الصحراء»، قائلا: «خذوا هذه الأوراق، وأعيدوا إلي نصف إنسانيتي، أو خذوا ما تبقى منها لدي.. خذوا إنسانيتي التي لم تعترفوا بها، واتركوني أحيا كالنملة، كالنحلة كالصرصار، ولكن من دون قرني استشعار».
وباختصار، فالرواية التي احتفلت بها وبكاتبها مجلة العربي (ع: 656) قدمتها بقولها: «ساق البامبو تحكي قصة عيسى الشاب المنحدر من أب كويتي وأم فلبينية، وهي عمل جريء يتناول على نحو موضوعي ظاهرة العمالة الأجنبية في الخليج العربي، حين يعود عيسى وقد بلغ سن النضج، من الفلبين إلى الكويت، موطن أبيه، فإنه يجد نفسه في وضع صعب، فهو لا يجد نفسه في البلد الأسطوري الذي كانت أمه تحكي له عنه، وإنما يجد نفسه ممزقا بين الأواصر البيولوجية الطبيعية التي تربطه بأسرة أبيه من ناحية وبين عصبيات المجتمع العربي التقليدي الذي لا يستطيع قبول فكرة زواج عربي من فلبينية ولا يعترف بالذرية الناتجة عنه. ساق البامبو هي رواية محكمة البناء تتميز بالقوة والعمق وتطرح سؤال الهوية في مجتمعات الخليج العربي الحديثة».
تحية تقدير وإعجاب وفخر لسعود السنعوسي الشاب المتوقد وبعمله الرائع، والذي نرجو أن نرى له المزيد من أمثال (ساق البامبو)، وألا يأخذه ما أخذ غيره من مباهج الحياة وغرورها فيكتفي بالشهرة ويقف عند هذا الحد.

Abo-yarob.kashami@hotmail.com