كسرت سياسة الابتعاث التي مكنت عشرات الآلاف من أبنائنا وبناتنا من الالتحاق في الجامعات في مختلف قارات العالم جدار العزلة الذي أوشك أن يحاصرنا به أولئك الذين لا يرون في الاحتكاك بالعالم الخارجي إلا شرا ينبغي تجنبه، وأفتوا في حقبة مضت بتحريم السفر إلى الخارج إلا لضرورة تجعل من السفر أمرا شبيها بأكل لحم الميتة الذي لا يحله إلا الخوف من الموت جوعا.
سياسة الابتعاث أعادت وصل جناحنا بالعالم مرة أخرى ولا يقتصر أثر الاحتكاك بالعالم والتعرف عليه على الطلاب والطالبات المبتعثين فحسب، بل يمتد هذا الأثر ليشمل كل أسرة سعودية يعيش أحد أبنائها أو إحدى بناتها في الخارج، وهو الأمر الذي من شأنه أن يجسر المسافة بين المجتمع السعودي والمجتمعات المختلفة، ويمهد لتعاون مشترك في شتى جوانب الحياة يرتكز على قيم التفاهم والاحترام المتبادل وتحقيق ما فيه خير البشرية وصلاح أمرها.
وإذا كانت وزارة التربية والتعليم قد مضت خطوات متقدمة في تحقيق هذا التقارب بما تتبناه من سياسة الابتعاث فإن وزارة الثقافة مطالبة باتخاذ خطوات مماثلة كذلك تحقق تقاربا أكثر عمقا على مستوى الثقافة والمعرفة على نحو يسهم في الارتقاء بثقافتنا الوطنية ويسهم في تزويدها بمشارب جديدة تمثل ثقافات الأمم المختلفة التي ينبغي العمل على تكريس التعاون معها في مختلف جوانب الثقافة والفنون.
وإذا كان البعض منا لا يزال يتذكر الدور الهام الذي كان ينهض به المركز الثقافي الأمريكي، وكذلك المركز الثقافي الفرنسي في جدة ، وهما المركزان اللذان كان من السهل علينا وقد كنا طلابا في المرحلة المتوسطة أن نحصل على عضويتهما التي تتيح لنا زيارة المكتبة في كلا المركزين واستعارة ما نشاء من المكتب منهما، إذا كان بعضنا لا يزال يتذكر ذينك المركزين فإننا جميعا نتطلع في هذا العهد الذي استعدنا فيه ثقتنا بالعالم من حولنا أن نجد المراكز الثقافية التي تمثل حضارات وثقافات الأمم المختلفة والتي تكرس تواصلنا مع العالم، وتعزز قيم الحضارة والثقافة التي تربطنا به.