أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/225.jpg?v=1764231772&w=220&q=100&f=webp

حمود أبو طالب

ماذا سيحدث أمس؟

قد يبدو العنوان غريباً، لكني لم أجد غيره وأنا أكتب هذا المقال صباح الأمس كي يُنشر اليوم، بينما العالم يترقّب ماذا سيحدث بعد تصريح الرئيس ترمب، أن اتفاقاً سيوقّع يوم أمس الأحد بين أمريكا وإيران، فيما لا يوجد تأكيد إيراني على ذلك، بل إن وكالة فارس للأنباء ذكرت، أن إيران لن توقع على أي اتفاق مع واشنطن اليوم (الأحد)؛ لأنه يتزامن مع عيد ميلاد الرئيس الأمريكي، «خوفاً من أن يستغل الأخير هذه المناسبة إعلامياً».

الموضوع غامض ومقلق، هل هو اتفاق سلام، أم هدنة طويلة، أم تهدئة إلى أجل؟ هل هو اتفاق إطاري، أم مذكرة تفاهم أم شيء آخر غير كل ذلك؟ هل سيشمل إنهاء الأسباب التي قامت من أجلها الحرب، أم سيتم ترحيلها أو تجزئتها؟ هل هناك حل شامل للتوتر الخطير الذي أصبح يعم المنطقة، أم أن الحل إذا حدث سيسلك الطريق الأمريكي الإيراني فقط؟

أشار الأستاذ عبدالرحمن الراشد، في مقاله أمس بصحيفة الشرق الأوسط، إلى معلومة مهمة وخطيرة في آنٍ، رغم تأكيده أنه لم يتثبّت منها بعد، لكنها جديرة بالتنويه عنها. يقول: «أحدُ هذه البنود، كما تسرَّب، اتفاقُ عدمِ اعتداء إقليمي متبادل. وهو يقسمُ المنطقةَ إلى معسكرين، ويُلزم دولَ كلّ معسكر عدمَ الاعتداءِ على دولِ المعسكر الآخر». هذا أمر خطير إذا حدث؛ لأنه سيضع المنطقة مرة أخرى على فوهة بركان بين معسكرين، كما أنه قد يعني اعترافاً بمعسكر إيراني يضم الفصائل والميليشيات التابعة لإيران، وهذا يعيدنا إلى المربع الأول، وإلى أساس مشكلة المنطقة وجذورها.

على أي حال، سنعرف ماذا حدث أمس، وبناء عليه ربما ستكون الصورة أوضح عما تنتظره المنطقة في المنظور القريب والبعيد. التفاول ليس كبيراً، لكننا لا نريد أخباراً تدفعنا إلى التشاؤم غصباً عنا.

منذ يوم

«حفرة جهنم».. يريدونها مفتوحة

شاهدنا مسلسل «حفرة جهنم»، الذي قدم عينة مما كان يجري في البؤر الجهنمية السوداء المنزوية في الأحياء المعتمة من جرائم شنيعة تتمحور حول تجارة سموم المخدرات، وإذا كان المسلسل قدم قصة واحدة، فإن هناك قصصاً أخرى أكثر بشاعةً تسببت في تدمير شباب وعائلات بأكملها في أماكن كثيرة. الكل يعرف ذلك، ويعرف أن مافيا المخدرات كانت وما زالت تستهدف إغراق المملكة عبر شبكاتها من مهربين وموزعين ومروجين، رغم جهود المكافحة للأجهزة الأمنية المختصة على كل المستويات، وتطور وسائل التعقب والكشف والضبط والمحاصرة.

الخبر الجديد، أنه تم في لبنان إحباط محاولة تهريب نحو 3.9 مليون قرص إمفيتامين مخدر، وذلك إثر تعاون أمني مع السعودية. وكانت وزارة الداخلية السعودية قد قدمت معلومات إلى وزارة الداخلية اللبنانية، في إطار التعاون الأمني بين البلدين لإحباط أنشطة شبكات تهريب المخدرات. وأكدت، أن المملكة مستمرة في متابعة النشاطات الإجرامية التي تستهدف أمنها وشبابها بالمخدرات، والتصدي لها وإحباط مخططاتها، والقبض على المتورطين فيها، بما يسهم في حماية المجتمعات من آفة المخدرات.

وفي خبر آخر متزامن مع الخبر السابق، فقد أحبطت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك (زاتكا) في منفذ الحديثة محاولة تهريب 46,968 حبة من مادة الأمفيتامين المخدر، بعد ضبطها مخبأة داخل إحدى الشاحنات القادمة إلى السعودية عبر المنفذ.

هذان الخبران يؤكدان، أنه رغم كل الاستعدادات والنجاحات التي تحققها المملكة في مكافحة تهريب المخدرات ما زالت العصابات الإجرامية تحاول اختراق حائط الصد الأمني، ومثل هذه الكميات المرعبة تشير إلى وجود عصابات جاهزة لتوزيعها لو وصلت، أي أن الخطر ما زال قائماً، وذلك ما يتطلب مزيداً من اليقظة والانتباه. وهنا لا بد من التأكيد أن الأجهزة المختصة مثل إدارة مكافحة المخدرات وغيرها تقوم بعمل كبير ومهم، ويواجه أفرادها أخطاراً مع عصابات إجرامية محترفة، وبالتالي فهي قضية مجتمع بأكمله للوقوف ضد هذه الآفة المدمرة. نحن ما زلنا بحاجة إلى وعي أكبر في أساليب التوعية، وحزم أكبر ضد المهربين والمروجين وعناية أفضل للضحايا الذين تم استدراجهم إلى براثنها. ما زالت هناك حُفر جهنم مفتوحة نتمنى أن ننجح في إغلاقها بتعاون الجميع.

منذ يومين

ضربة معلّم

استوعبت المملكة جيداً محورية موقعها وأهميته إقليمياً ودولياً، وقبل ذلك استوعبت ضرورة ربط أجزائها المترامية بشبكة طرق حديثة، حدث ذلك منذ بداية الطفرة الأولى واستمر الاهتمام إلى أن أصبح لدينا أحدث شبكة طرق على مستوى العالم العربي والشرق الأوسط. هذه ليست مبالغة بل حقيقة، لا توجد قرية نائية في الصحراء أو فوق قمة جبل إلا وهناك طريق معبّد يصلها، وهذا ما جعل برامج التنمية تصل إلى كل مكان، وقد اكتشفنا أهمية هذه الشرايين الحيوية في الظروف الاستثنائية كما حدث خلال جائحة كورونا عندما تعطلت حركة الطيران لكن حركة النقل البري لم تتعطل. وأيضاً خلال ذروة الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية/ الإيرانية، عندما استطاعت شبكة الطرق لدينا إمداد دول الجوار الخليجية بكل احتياجاتها بعد تعطّل حركة الملاحة في الخليج العربي.

كما كشفت لنا الأزمة جاهزية المملكة لرفع كفاءة تشغيل موانئها على البحر الأحمر التي تم تجهيزها وتطويرها خلال العقود الماضية. هذه الموانئ أصبحت الشريان الرئيسي الذي يزود العالم بالنفط، ولولاها لشهدنا أزمة عالمية خانقة في إمدادات الطاقة، وبالتالي فنحن نتحدث عن رؤية استباقية مبكرة وحسابات ذكية للأزمات والظروف الطارئة.

الجانب الذي تأخرنا فيه هو السكك الحديدية، إذ لم يكن يوجد سوى خط واحد قديم يربط المنطقة الشرقية بالرياض، لكننا انتبهنا إلى هذا الجانب الحيوي وإن كان متأخراً، حيث بدأ ربط بعض المناطق الوسطى بالشمالية، وبدأ الاستعداد لتنفيذ خط بين الرياض وجدة كما سمعنا، لكننا نطمح أن يتم ربط جميع المناطق بشبكة متكاملة للقطارات السريعة، فذلك جانب مهم من جوانب الأمن الإستراتيجي.

وعندما نقول كل ما سبق فإنه يأتي على هامش الخبر الجميل الذي سمعناه قبل يومين عن توقيع مذكرة تفاهم سعودية تركية للربط السككي بين البلدين عبر خط يعبر سورية والأردن وصولاً الى المملكة ثم عمان. هنا نحن نتحدث عن مشروع إستراتيجي عالمي يجعل المملكة نقطة وصل بين شرق العالم وغربه وشماله وجنوبه، لا تتأثر كثيراً بتعطل الملاحة البحرية أو الجوية، وعند تنفيذ هذا المشروع سيكون أحد أهم خطوط الربط العالمية إن لم يكن أهمها.

لقد جاء التفكير في تنفيذ هذا الخط خلال الأزمة الراهنة، ليثبت أن المملكة قادرة على خلق الفرص الثمينة من رحِم الأزمات، وأن حيوية التفكير المستقبلي هي عنوان التخطيط الذي تنتهجه في رؤيتها. إنها حقاً ضربة معلّم.

00:00 | 11-06-2026

حماية الطب من الطفيليات الضارة

كان لا بد لوزارة الصحة السعودية أن تحضر بعد أن وصلت نتائج نظام الطيبات سيئ السمعة إلى أقسام الطوارئ والتنويم والعناية المركزة، خصوصاً مرضى السكري الذين تعرضوا لمضاعفات خطيرة بعد اتباعهم ذلك النظام الذي ما أنزل العلم به من سلطان. لم أكن أعتقد أن ضحايا ذلك النظام بهذه الكثرة وفي دول عديدة، لكنها أيضاً إحدى مصائب السوشيال ميديا التي لم يعد لها حدود ولا ضوابط، حتى عندما تشكل خطورة حقيقية على حياة الإنسان.

أعتقد أن وزارة الصحة السعودية هي أول وزارة أصدرت بياناً رسمياً تحذّر فيه من الانجرار لذلك النظام الغذائي الذي لم يكن ضحيته مرضى السكري فقط، بل آخرون يعانون من أمراض مزمنة ويتلقون العلاج الطبي التقليدي المتعارف عليه بحسب المرجعيات الطبية العالمية، لكنهم وقعوا ضحايا نظام ذلك الطبيب الذي غادر الدنيا وترك وراءه ضجةً كبيرة، وضحايا الله يعلم كم عددهم.

وحين أصدرت وزارة الصحة بيانها فلأن ذلك واجبها كجهة رسمية معنية بصحة المجتمع وحمايته من الممارسات الضارة التي يدعو إليها بعض المحسوبين على الوسط الطبي أو غيرهم ممن يُطلق عليهم المعالجين الشعبيين الذين أقنعوا بعض المصابين حتى بالأورام السرطانية بترك العلاج الطبي وعدم متابعته في المستشفيات وانتهى بهم الحال إلى نهايات محزنة.

نحن إزاء حالة فوضى عارمة تحتاج إلى ضبط وحزم وتطبيق القوانين التي تحمي صحة الناس. التوعية الطبية والتثقيف الصحي المؤسسي جانب جوهري من الرعاية الصحية لكنه لا يحظى باهتمام كبير لدينا. هو موجود كأقسام وإدارات في الهياكل التنظيمية للمرافق الصحية لكن نشاطه يكاد يكون موسمياً ومؤقتاً في المناسبات والأيام الصحية. وحتى لو كان فاعلاً ومستمراً فإنه لن يستطيع إقناع المهرولين خلف الصرعات التي يطلقها بعض الأطباء الذين يعانون من اختلالات نفسية كصاحب برنامج الطيبات، أو غيرهم من الباحثين عن الإثارة في وسائل التواصل دون الانتباه إلى خطورة ما يفعلون.

في أوقات سابقة كنا نعاني من توصيات أشخاص من خارج الوسط الطبي، يتحدثون في مسائل طبية معقدة ويخترعون وصفات يسوّقون لها بشكل علني دون خوف من المساءلة، وما زال بعضهم يمارس ذلك، لكن الأخطر هو ما نشهده أحياناً من نقاشات تصل حد الجدل والخلاف والتشكيك بين أطباء حول أساليب علاج أو تشخيص أو مواضيع طبية معقّدة مكانها الطبيعي داخل أسوار المستشفيات، هذا المنحى يثير للأسف بعض اللغط الذي لا يليق بالوسط الطبي، ويثير شكوك المرضى في بعض أساليب العلاج، ويؤثر على سمعة الوسط الطبي وسمعة الطب كمهنة حساسة أرفع من أن تكون موضوع خلافات لا طائل منها وذات أضرار جانبية.

الأطباء الذين يحترمون قوانين وأخلاقيات المهنة لا يدخلون في جدالات عقيمة على وسائل التواصل حول مسائل حسمها الطب، أو حول نتائج منتظرة لأبحاث طبية تجري على أدوية وأساليب علاج جديدة، ولا يستنزفون وقتهم مع الذين لا يؤمنون أساساً بالطب الحديث من الجهلة. لكن البعض للأسف يستهويهم هذا الجدل الضار لا لشيء سوى الإثارة والتسويق للذات بشكل غير لائق، وهنا تكمن الخطورة على الطبيب والمجتمع.

لا بد من ضبط هذا المشهد الذي يزداد تشويشاً وضرراً. هناك قوانين وأنظمة طبية وإعلامية من شأنها منع التشويش على الناس وتشويه مهنة الطب، يجب تطبيقها قبل أن نصل إلى حالة انفلات لا نستطيع السيطرة عليها.

يا أطباءنا السعوديين الذين تميّزتم بين أطباء العالم حافظوا على سمعة وسطنا الطبي الذي اكتسب احتراماً وثقةً كبيرة، حافظوا عليه من الانتهازيين والمتسلقين وهواة الإثارة والتسويق الرخيص، هذا واجبكم المقدس.

00:19 | 10-06-2026

لبنان بين مطرقة إسرائيل وسندان إيران..

الحوار الذي أدلى به مؤخراً الرئيس اللبناني جوزيف عون لمذيعة شبكة CNN كريستيان أمانبور يُعد دليلاً جديداً وأكيداً على عودة الدولة المركزية إلى لبنان رغم كل ما يحدث، فعلى الأقل نحن نسمع خطاباً يمثّل لبنان، ويتحدّث باسم كل اللبنانيين، ويبحث القضايا الجوهرية التي يعاني منها لبنان، وهذا -في حد ذاته- تحوّل مهم، لا سيما في الظروف الراهنة التي أصبحت أشد تعقيداً.

كلام الرئيس عون كان واضحاً جدّاً لكل الأطراف التي تتاجر بالمأساة اللبنانية سياسياً. داخلياً، كان كلامه لحزب الله شجاعاً ومباشراً، هناك دولة هي التي تتحدّث وتفاوض باسم لبنان وتقرّر ما تراه صالحاً له، وأن زمن المقامرة بأرضه وشعبه من أجل قضايا لا علاقة له بها لا بد أن ينتهي بأي طريقة. وخارجياً، كان خطابه للنظام الإيراني لا يقل شجاعةً ووضوحاً: لبنان ليس من شأنكم، ولن يكون ورقة بأيديكم في مفاوضاتكم مع أمريكا.

والحقيقة أن إصرار إيران على اعتبار الشأن اللبناني جزءاً من أوراقها يمثّل وقاحةً سياسيةً في التعامل مع دولة ذات سيادة بموجب القانون الدولي، وتصريحات وزير الخارجية الإيراني المتزامنة مع حديث الرئيس عون هي استخفاف بأبسط متطلبات اللياقة الدبلوماسية، ودليل على العقلية التي تنظر بها إيران إلى لبنان بعد أن تسبّبت له في كثير من المآسي منذ إنشاء حزب الله؛ ذراعها التخريبي ووكيلها المحلي لبسط النفوذ على القرار اللبناني.

لبنان الآن يمر بمرحلة مفصلية في التفاوض مع إسرائيل على أمنه وأراضيه المسلوبة التي سهّل لها حزب الله الاستيلاء عليها بحماقاته المستمرة، إسرائيل تريد ابتلاع جنوب لبنان وأكثر إذا تسنّى لها ذلك بسبب الذرائع التي يمنحها لها الحزب، وإيران تريد لهذه الساحة أن تستمر في التوتر حتى لو كان الضحية كل لبنان، ولذلك فهي تبذل كل الأسباب للتشويش على المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وتعطيلها؛ كي يستمر لبنان تحت وصايتها ونهباً لإسرائيل.

هناك أمل كبير بأن يضمّد لبنان جروحه ويخرج من الدمار الممنهج الذي يتعرّض له بشكل مباشر على يد إسرائيل، وبشكل غير مباشر على يد إيران. الوسيط الأمريكي الذي يتفاوض مع إيران حالياً يجب أن يحسم الأمر بشكل واضح أن لبنان خارج معادلة التفاوض مع إيران، وعليه أن يساعد الدولة اللبنانية الوطنية على التخلص من سرطان حزب الله الذي نهش الجسد اللبناني.

00:11 | 8-06-2026

العلاقات السعودية الروسية: هكذا تُدار السياسة

قصة العلاقات بين المملكة وروسيا يمكن اعتبارها نموذجاً فريداً في العلاقات بين الدول، فقد كانت روسيا (الاتحاد السوفييتي آنذاك) أول دولة في العالم تعترف رسمياً بمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها في عام 1926م؛ أي قبل أن يتحول اسمها إلى المملكة العربية السعودية عام 1932م. وبعد الاعتراف تم رفع مستوى العلاقات بتحويل القنصلية السوفييتية في جدة إلى سفارة عام 1930م، لكن العلاقات لم تستمر طويلاً، وتوقفت عام 1938م.

أسباب انقطاع العلاقات آنذاك واستمرار القطيعة الطويلة يكون مفهوماً في سياق الأيديولوجيا الفكرية والطبيعة السياسية لنظام الاتحاد السوفييتي المتناقضة مع الأسس الدينية والسياسية والفكرية للمملكة، والمتضادة مع المشروع السعودي الطامح للاستقرار وبناء دولة حديثة متوازنة ومتزنة تتطلع إلى علاقات إيجابية مع المجتمع الدولي في إطار من المنافع الاقتصادية التي تحتاجها دولة ناشئة. وعندما عادت العلاقات في 1990م كانت بسبب متغيرات كثيرة أهمها التغيير الذي حدث في النظام السوفييتي، لكنها عادت بترقُّب وحذر في إطار بروتوكولي لا أكثر، حتى تلاقت مصالح مشتركة كثيرة بعد قيام روسيا الاتحادية وطي مرحلة النظام السوفييتي الأيديولوجي نهائياً.

بدأت مبادرات التعاون والشراكات تفرض نفسها، ثم توطدت العلاقات أكثر بزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى موسكو عام 2017م، وكذلك زيارات ولي العهد، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات الوطيدة كدولتين بارزتين ومؤثرتين في مجالات النفط والطاقة والاقتصاد والتجارة العالمية.

استطاعت المملكة بذكاء وحكمة أن تطور علاقاتها بشكل سريع وواسع مع روسيا مع المحافظة على اتزان علاقاتها الاستراتيجية مع أمريكا والدول الغربية الكبرى. بل إن العالم، وأمريكا بالذات، شهد النتائج الإيجابية للعلاقات السعودية الروسية في منعطفات مهمة وظروف دقيقة؛ من أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية وتبعاتها على إمدادات النفط والطاقة، وكذلك إيجاد توازن في المواقف تجاه بعض الملفات السياسية الدولية والإقليمية المهمة، وخفض التوتر والتصعيد في بعض الأزمات.

الآن تحتفل الدولتان، المملكة وروسيا، بمرور مئة عام على بدء علاقاتهما، وقد تجلت طبيعة الاحتفاء الروسي بدعوة المملكة كضيف شرف في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي، وقد عبرت كلمة الرئيس الروسي بوتين في احتفالية المنتدى عن مدى التقدير الكبير للمملكة والإشادة بعلاقات البلدين، والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية المشتركة بينهما، كما عبر وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان في حوارات المنتدى عن أهمية الشراكات القائمة والقادمة في مجالات استراتيجية عديدة تعود بالنفع على البلدين والاقتصاد العالمي ككل.

خلاصة القول، سيناريو العلاقات بين المملكة وروسيا هو نموذج لكيفية إدارة المملكة لعلاقاتها الخارجية بعقلانية واتزان وهدوء ونفَس طويل في كل المراحل والظروف، دون أن تكون العلاقة مع طرف على حساب علاقات أخرى، وانطلاقاً من استشعار مسؤوليتها كدولة مهمة ووازنة في المجتمع الدولي. هكذا تدار السياسة بالعقل والحكمة والروية التي يمثلها النموذج السعودي.

00:02 | 7-06-2026

أهلاً بكم في موسم حج 1448هـ

كل شيء تم بسهولة وسلاسة في موسم حج هذا العام، الأمر يبدو كذلك للمشاهد على شاشات التلفزيون والمتابع للأخبار الكثيفة التي ملأت وسائل الإعلام السعودية، لكنها لم تكن بالشكل المأمول في (بعض) وسائل الإعلام العربية والإسلامية، رغم أن وزارة الإعلام السعودية وفرت كل الإمكانات والتسهيلات التي تمكّن أي وسيلة إعلامية من مواكبة الحدث على مدار الساعة، ونقل كل التفاصيل. بعض وسائل الإعلام ما زالت تعتبر حضورها في موسم الحج وكأنه تغطية لشأن سعودي محلي، رغم أنه مناسبة دينية كبرى تهم مليارات المسلمين في كل العالم. ما علينا من ذلك، فقد أثبت الإعلام السعودي حضوره بشكل متفوق يليق بهذه المناسبة، وجعل العالم يعيش لحظات الحج بشكل مؤثر.

على أي حال، السهولة والسلاسة والراحة والطمأنينة الظاهرة في المشهد، والتي تعكس الواقع الحقيقي، هي نتيجة عمل كثيف على مدار العام، واستعداد متواصل وتطوير مستمر وخطط محكمة وتنسيق بين كل أجهزة الدولة والقطاعات ذات العلاقة، وحضور آلاف العاملين في كل التخصصات. وهناك إحصائية مدهشة في هذا الموسم، تشير إلى أن نسبة العاملين في الحج بلغت شخصاً لكل أربعة حجاج تقريباً، وهذه نسبة غير مسبوقة في إدارة أي شكل من أشكال الحشود عالمياً. هذا من حيث العدد، وأما من حيث جودة الخدمات فإنه أمرٌ واضح جداً ومؤكد أن موسم الحج يمثل أعلى درجات التنافسية بين كل الجهات لتقديم أفضل ما يمكنها تقديمه. هو موسم لتحدي الذات وإثبات التفوق، امتثالاً لتوجيهات القيادة بأن يكون كل موسم حج أفضل من سابقه بغض النظر عن أي تكلفة مادية.

الآن تبدأ كل الجهات في الإعداد للموسم القادم، وبذلك تكون المملكة هي الدولة الوحيدة في العالم التي تستعد لموسم مليوني روحاني كل عام، في زمن محدد وأماكن محددة. وبقدر ما يمثل ذلك من مسؤولية عظيمة على المملكة فهو كذلك شرف عظيم تعتز به، وتبذل الغالي والنفيس من أجله، وتقول لكل المسلمين من الآن أهلاً بكم في موسم الحج القادم 1448، وكل عام وأنتم بخير.

00:05 | 3-06-2026

تكاليف الحج.. سذاجة السؤال وحصافة الجواب

سأل أحد المراسلين وزير الإعلام عن تكاليف خدمات الحج التي تتحمّلها المملكة، وكان رد الوزير يمثل الإعلامي اللمّاح سريع البديهة وحاضر الجواب قبل أن يكون مسؤول الدولة الحصيف القادر على تقديم إجابة عميقة المعنى والدلالة، ذات أبعاد تتجاوز سذاجة السؤال إلى ما هو أهم وأشمل في مفهوم الدولة السعودية لخدمة حجاج بيت الله الحرام.

والحقيقة أنه مهما حاول الإعلام نقل تفاصيل ما يتم تقديمه من خدمات في هذا الموسم فإنه لن يستطيع تغطيتها بشكل كامل، فهناك أشياء كثيرة جداً لا يمكن أن يتصورها أحد إلا إذا وقف بنفسه عليها وشاهدها وسمع تفاصيلها من القائمين عليها، وهذا ما حدث يوم السبت عندما سعدتُ بتلبية دعوة ملتقى إعلام الحج في مكة المكرمة لزيارته ومعرفة ما يدور فيه وما يقدّمه من خدمات للإعلاميين من أنحاء العالم لتغطية موسم الحج.

ومن خلال الجولة في مقر الملتقى يتضح أنه ليس ملتقى للإعلام فقط كما يوحي مسماه، ولكنه معرض حي لكل الجهات المشاركة في خدمات الحج، أي أن معظم أجهزة الدولة موجودة في الملتقى لتقديم نبذة عن طبيعة خدماتها المقدّمة للحجاج، من خلال شباب وشابات تشعر أنهم يتحدثون بفخر واعتزاز بما تقدّمه جهاتهم، وجاهزون للإجابة عن أي سؤال واستفسار بمهنية عالية.

وعندما ننظر إلى طبيعة الخدمات التي تقدّمها كل أجهزة الدولة في الحج واستعداداتها لكل موسم جديد بدءاً من آخر يوم في الموسم السابق، والتطور الكبير الذي يحدث فيها كل عام، يكون بديهياً أن ذلك يكلف مبالغ ضخمة من ميزانية الدولة، لكنه لا يتم إعلانها أو الحديث عنها بشكل مباشر، فهي التي تتحدث عن نفسها عندما يتأملها المراقب بعين فاحصة وعقل مدرك وضمير منصف.

خدمات الحج هي مسؤولية أصيلة وشرف كبير لحكومة المملكة، لا علاقة لتكاليفها مهما بلغت بأي حسابات أخرى، ولا تتأثر جودتها بأي ظروف اقتصادية. إنه واجب حتمي تتشرّف به المملكة تجاه المسلمين، تؤديه على أكمل وجه دون منّة، بل باعتزاز وفخر، واقتدار.

00:26 | 25-05-2026

النظام للمحتالين: «كفاية دلع»

لا يحتاج أي شخص أن يكون خبيراً مالياً أو اقتصادياً أو إدارياً أو قانونياً لكي يقول رأيه في الفضيحتين المدويتين اللتين أعلنت عنهما مؤخراً هيئة السوق المالية السعودية، والمتعلقة بشركتين كبيرتين مدرجتين في السوق. أي شخص لديه مقدار بسيط من القيم الدينية والأخلاقية لا أكثر يستطيع أن يقول رأيه في: (التلاعب، التضليل، الاحتيال، الغش، الكذب، الخداع، التدليس)؛ لأنها ذنوب تحرمها كل الديانات، وآفات أخلاقية ممقوتة في أي شكل من أشكال التعاملات بين البشر، فكيف عندما تكون نتيجتها إلحاق الضرر النفسي والمادي بأعداد كبيرة من الناس وهم يفقدون أموالهم التي اعتقدوا أنها تدار بأيدٍ أمينة، وإذا بهم يكتشفون أنهم عصابات من الفاسدين والمحتالين والنصّابين.

ثمانية وعشرون رأساً في شركتين شهيرتين تمت الإطاحة بهم خلال أقل من 48 ساعة. في الشركة الأولى تمت إحالة 17 مشتبهاً من كبار مسؤوليها السابقين والحاليين إلى النيابة بتهم جسيمة بعد التحريات الدقيقة، وسوف تظهر لاحقاً نتيجة التحقيق والأحكام التي سوف تصدر بحقهم. وأما في الشركة الثانية فقد صدر القرار القطعي بالإدانة ضد 11 شخصاً في مجلس الإدارة ولجنة المراجعة، وتضمن القرار غرامات مالية بلغت نحو 18 مليون ريال، ومنع عدد من الأسماء من العمل في الجهات الخاضعة لإشراف هيئة السوق المالية لفترات تصل إلى عام كامل.

ومنذ انفجار الفضيحتين المتعلقتين بشركة «سينومي ريتيل» وشركة الشرق الأوسط للرعاية الصحية/«السعودي الألماني الصحية» وهما حديث المجتمع في منصات التواصل، وهو حديث تشوبه الخيبة والاستياء والتساؤلات الكبيرة حول استطاعة الشركتين الاستمرار في مخالفاتهما رغم تكاثر الشبهات حولهما. وعلى سبيل المثال فإن قرار إدانة مسؤولي شركة السعودي الألماني الصحية كان على مخالفات بين 2018 و2021، أي خلال أربعة أعوام فقط، والله أعلم ماذا حدث قبلها وبعدها، ورغم أن بعض المختصين في هذا المجال قد أشاروا علناً في أوقات سابقة إلى المخالفات الفاضحة التي تمارسها هذه الشركة، فأين كانت هيئة السوق المالية وهيئة مكافحة الفساد والنيابة العامة عن كل ما أثير آنذاك.

ورغم تقديرنا لضبط ما كان يحدث في هاتين الشركتين إلا أنهما بالتأكيد لا تكشفان سوى رأس جبل الجليد الذي ما زالت تتخفى تحته كثير من الشركات، فهل نستبشر بأن مرحلةً تصحيحية جديدة صارمة قد بدأت، تحدّ من العبث والاستهتار والإضرار بسمعة سوق المال وجاذبية الاستثمار في المملكة، وتحفظ حقوق المساهمين الصغار الذين تحولت أموالهم إلى أرصدة المساهمين الكبار، وهل سنرى عقوبات مغلّظة تناسب الجُرم الذي يرتكبه أمثال هؤلاء المحتالين.

في بلدان أخرى هناك عقوبات شديدة تصل إلى غرامات باهظة، ومنع تام من العمل في هذا المجال، وأحكام بالسجن لمدة قد تطول، ولكن ما نشاهده من عقوبات لدينا إلى الآن لا يبدو كفيلاً بردع المخالفين. المحتال الثري من نهب أموال الناس لا يستحي من فضيحة التشهير، ولا تهمه غرامة تافهة بالنسبة لثروته، ولا إيقاف مؤقت عن ممارسة العمل يعود بعده أكثر شراهة. دعونا نقول للمحتالين: «كفاية دلع»، كما قالها أحدهم ذات نصيحة.

00:00 | 24-05-2026

منتخب «آيسف 26».. وماذا بعد؟

بفرحة غامرة تابعنا إنجازات المنتخب السعودي للعلوم والهندسة في «آيسف 26»، والجوائز التي حصدها نظير الأفكار الإبداعية النوعية التي تقدم بها في الملتقى. وعند عودة الفريق إلى الوطن كان الاستقبال كالمعتاد لائقاً بما حققه، وعندما شاهدت حلقة تلفزيونية كاملة خُصصت مع شباب وشابات المنتخب تأكدت أننا نملك مبدعين حقيقيين وعقولاً تستطيع تغيير أفكار كثيرة في العلوم والتقنية إذا استمر الاهتمام بها.

هؤلاء المبدعون لا يحتاجون فقط إلى التصفيق وتدبيج عبارات المديح والفخر خلال المؤتمر وبعد عودتهم، بل يحتاجون إلى متابعة وعناية مستمرة، وتحفيز وإرشاد متواصل لا يتوقف بعد عودتهم إلى مدارسهم. إنهم في مرحلة فاصلة بين استمرار وهج الإبداع أو تراجعه عندما يجتازون المرحلة الثانوية وينطلقون في مسار التعليم الجامعي؛ ولهذا تكون المتابعة ضرورية من قبل مرشدين متخصصين لكل مبدع منهم، يتابع مساره ويساعده على استمرار العمل على فكرة مشروعه حتى يصل إلى نهايته. المشاريع التي أحدثت تحولات كبيرة في حياة البشر بدأت بأفكار ومحاولات بسيطة، ومع وجود الاحتضان والدعم لها تحولت إلى نتائج استفادت منها البشرية. ولذلك فإن مؤسسة موهبة يجب أن تضمن استمرار عنايتها بهم بالتنسيق مع وزارة التعليم وبقية الجهات المعنية برعاية الابتكارات حتى يتحول الموهوبون الصغار الى علماء كبار.

وفي جانب آخر، لم نلمس مبادرة للتعامل مع هذا المنتخب العلمي كما يتم التعامل مع منجزات أخرى. لو حقق منتخب أو حتى نادٍ رياضي فوزاً في مسابقة دولية لرأينا المكافآت المليونية تنهال على لاعبيه، بينما هؤلاء الشباب المبدعون الذين حققوا رقماً تأريخياً في حصد الجوائز لم نسمع أن أباطرة المال الوطنيين، أو حتى الجهات الرسمية ذات العلاقة قدمت لهم مكافآت تحفيزية تليق بما قدموه. التكريم المادي لا يقل أهميةً عن التكريم المعنوي، وهذا التكريم يمتد إلى عائلاتهم التي تعبت لتنمية مواهب أبنائها وبناتها.

وكم نتمنى أن تقام احتفالية وطنية في عاصمتنا الرياض لهذا الفريق، نعبر خلالها عن تقدير الوطن لهم بالشكل الذي يستحقه هؤلاء المبدعون والمبدعات.

00:05 | 21-05-2026