أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/225.jpg?v=1764231772&w=220&q=100&f=webp

حمود أبو طالب

يمن ما بعد «المخا»

لا يمكن التقليل من الأهمية الكبيرة لما حدث في اليمن مؤخراً باستحواذ الميليشيا الحوثية على مدينة المخا ذات الموقع الإستراتيجي، ومنها إلى التموضع في أهم الجزر المتاخمة لباب المندب. بكل المعايير هو تحول دراماتيكي خطير في مسار المواجهة بين القوات المسلحة اليمنية والحوثيين، وقد اكتنفته كثير من التأويلات والتساؤلات والتكهنات عن كيفية حدوثه بتلك الصورة المفاجئة، ويجب على السلطات اليمنية المختصة تفسيره، وبحث أسبابه حتى لا يتكرر في مواقع أخرى.

وعلى أي حال، فقد تواترت الأخبار عن وصول عدد كبير من الخبراء العسكريين الإيرانيين خلال الفترة القصيرة السابقة لإدارة عملية استهداف المخا والساحل الغربي، تم ذلك رغم الحصار والحظر والمراقبة التي يُفترض أنها فاعلة تجاه التحركات الإيرانية، وخصوصاً تواصلها مع الحوثيين، وإذا كانت هذه المعلومة صحيحة فنحن إزاء تساهل خطير ربما يمكن وصفه بالتواطؤ لتعقيد المشهد اليمني والإقليمي وما يترتب على ذلك من نتائج سلبية على نطاق أوسع.

على كل حال، الواقع المستجد يقول، إن إيران عبر ذراعها الحوثي أصبحت تسيطر عملياً على ممر حيوي عالمي يمثله باب المندب، بالإضافة إلى مضيق هرمز، مع فارق مهم هو خلو باب المندب من المواجهة المباشرة بين إيران وأمريكا، ما يعني عدم تشكيل ضغط عليها، وهذا هو الخطر الحقيقي الكبير إذا استطاع الحوثيون البقاء والتحكم في تلك المواقع الإستراتيجية الحساسة.

وبنظرة إلى الوراء نجد أن الشأن اليمني ما كان له أن يصل إلى هذه المرحلة المعقدة الخطيرة لولا الخذلان الذي مُني به الشعب اليمني التوّاق إلى التخلص من ميليشيا انقلبت على الشرعية. خذلان تسبب فيه المجتمع الدولي ممثلاً بمنظمة الأمم المتحدة ومجلس أمنها. عدة قرارات تم إصدارها ومنها ما هو تحت البند السابع ولم تنفذ. الإصرار على تسوية عبر مسار سياسي لم تلتزم به جماعة الحوثي. المساواة في التعامل بين حكومة شرعية معترف بها دولياً وميليشيا مارقة. فرض هدنات لاستئناف المسار السياسي تخرقها الميليشيا كل مرة. الضغط على التحالف العسكري لدعم الشرعية للتوقف في مرات عديدة كان بإمكانه خلالها تحقيق مكتسبات عسكرية قادرة على تحجيم قوة ورقعة توسع الحوثيين. المبعوثون الأمميون يتعاقبون واحداً بعد الآخر دون تعامل جاد مع تجاوزات الحوثيين، الأمر الذي شجعهم على الاستمرار فيها. وحتى بعد ما حدث مؤخراً في المخا كانت إحاطة المبعوث الأممي إلى اليمن لا ترقى إلى خطورة الحدث.

على أي حال، نحن الآن إزاء مستجد خطير لا يجب أن يستمر طويلاً، ولا بد من التعامل معه بمنتهى الحزم والجدية لما له من عواقب تتجاوز النطاق الإقليمي، أمنياً واقتصادياً، إضافة إلى كونه يشكل سابقة تهدد الأمن والسلم الدولي عندما يُسمح لميليشيا بالتحكم في معبر ملاحة دولية يهم العالم كله. إنها ليست مشكلة يمنية فحسب، بل دولية وخطيرة إذا ما استمرت، وهذا يتوجب أكثر من مستوى للتعامل معها:

من ناحية حكومة الشرعية اليمنية، ومع معرفتنا بالمصاعب التي تواجهها، إلا أنها لا بد أن تصحح الأخطاء الجسيمة التي تؤدي إلى مثل ما حصل مؤخراً، وعليها إعادة ترتيب أوضاعها لأنها في معركة وجودية مع جماعة الحوثي. ومن ناحية أخرى، على المجتمع الدولي استشعار الخطر الكبير من هكذا وضع لو استمر، وهذا يتطلب في ما يتطلب تمكين تحالف دعم الشرعية وكذلك التحالف البحري الدفاعي للقيام بدورهما دون عراقيل. وعلى مجلس الأمن تفعيل قراراته المتعلقة باليمن بشكل فوري، وربما استصدار قرار جديد يتعلق بالوضع المستجد، وكذلك تغيير التعاطي مع الأزمة اليمنية التي بدأت تتحول إلى أزمة إقليمية ودولية.

منذ يوم

الوطن فوق كل الاعتبارات

كان متوقعاً أن تقوم مليشيا الحوثي بعمل عدائي تجاه المملكة بعد أن بدأ الخناق يضيق عليها عندما تهورت بمحاولتها الاقتراب من باب المندب وفرض حصار عليه، لكنها فوجئت بتحرك قوات الحكومة الشرعية بشكل غير مسبوق لدحرها من مواقع كثيرة، وإعلان القيادة السياسية والعسكرية اليمنية أن الهدف الآن تحرير صنعاء وبقية المواقع التي تحتلها. وفعلاً هاجمت صواريخ ومسيّرات الحوثي أعياناً مدنية واقتصادية في أربع مدن سعودية صباح أمس، نتج عنها إصابة 73 شخصاً من المدنيين.


مشكلة مليشيا الحوثي أنها عاشت وهماً كبيراً بأنها قادرة على الاستمرار في مشروعها الإرهابي دون ردع. هذا الوهم تضافرت عدة عوامل في خلقه، منها التشجيع والدعم الكبير من إيران التي تصوّر للحوثيين أنه طالما استطاعت التعايش مع العمليات العسكرية الأمريكية فإنهم ـ أي الحوثيين ـ يستطيعون مواجهة قوات الشرعية اليمنية وقوات التحالف، بل ويستطيعون تنفيذ الهدف الإيراني الإستراتيجي بالسيطرة على باب المندب، وكذلك استعراض القوة بهجوم متعدد الأهداف على المملكة، من أجل خلط الأوراق وتعقيد المشهد، وهنا لا نستبعد أن تصريح المبعوث الأممي لليمن يوم قبل أمس، الذي قفز فيه على الحقائق وغالط المنطق وساوى بين صاحب الحق الدستوري وبين مليشيا إرهابية سطت على الدولة ومقدراتها، لا نستبعد أنه ساهم في تشجيع الحوثيين على اقتراف هجومهم الآثم على المدن السعودية.


هذا الهجوم الذي أصاب عدداً كبيراً غير مسبوق من المدنيين، وألحق أضراراً بمنشآت اقتصادية، لن يتم التعامل معه مثل ما حدث في المرات السابقة، فعندما تقول المملكة في التصريح الرسمي الذي صدر صباح أمس بأنها «لن تتهاون مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدراتها، مشددة على حقها المشروع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وصون مقدراتها الوطنية والحفاظ على أمن وسلامة المواطنين والمقيمين، وفق قواعد القانون الدولي»، فإنها تعني تماماً ما تقول، ولنا في الماضي القريب دليل على ذلك عندما هاجمت المملكة مليشيات عراقية موالية لإيران فكان الردع قوياً وحاسماً.


المملكة تبنت الحل السياسي في اليمن وما زالت، وحاولت امتصاص الاستفزازات المتكررة للمليشيا الحوثية رغم حدوث بعض الأضرار، وقامت بمساعٍ دبلوماسية حثيثة للوصول إلى سلام مستدام واستعادة اليمن من الاختطاف المليشياوي، لكن هذه المبادرات اصطدمت بتراخي الأمم المتحدة وعدم جديتها في تنفيذ قراراتها المتعلقة باليمن، وخصوصاً القرار 2216 لعام 2015، والقرار 2722 لعام 2024، وذلك ما شجع الحرس الثوري الإيراني على استمرار دعمه للحوثيين على مرأى ومسمع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، بل وأصبح يشارك في إدارة غرفة العمليات العسكرية خلال الاشتباكات الراهنة كما تواترت الأخبار.


استسهال مهاجمة السيادة السعودية وإصابة المدنيين بهذا العدد واستهداف المنشآت لن يكون نزهة للحوثيين وداعميهم، ولن يكون حماقة تُمرر كسابقاتها. كانت المملكة ملتزمة بأقصى درجات ضبط النفس رغم كل شيء من أجل أمل السلام لليمن، لكن عصابة الحوثيين لا تفهم هذه الاعتبارات على حقيقتها، وما دامت الأمور وصلت إلى هذا الحد فمن المؤكد أن التعامل معها سيختلف، لأن سيادة الوطن وأمنه وسلامة مواطنيه لا يمكن تعريضها للخطر أياً كانت الاعتبارات.

00:41 | 9-09-2026

عندما تُدير الرياض أوركسترا الوطن

مع بداية شهر سبتمبر تزخر أجندة مدينة الرياض بالمؤتمرات والمنتديات والمعارض، ويستمر هذا الزخم عادةً إلى نهاية فصل الربيع القادم، علماً بأنه حتى خلال فصل الصيف وحرارته المرتفعة لا تخلو الرياض من بعض الفعاليات. خلال هذا الشهر تستضيف الرياض أكثر من 24 فعالية كبرى مختلفة العناوين والمجالات والاهتمامات، إيقاع سريع تصعب ملاحقته إذا كنت من أصحاب الاهتمامات المتعددة، فهناك كل ما يغري بمعرفة شيء عنه، من العلوم والتقنية، إلى الآداب والفنون، والسياسة والاقتصاد، والصحة والبيئة، والاستثمار والمال، وغيرها.

هذا الشهر، يمثل عادةً تدشين الحراك الهائل لهذه المدينة التي أصبحت تزاحم كبريات عواصم العالم في استضافة أهم الفعاليات، حراك مستمر لا يتوقف، ولا يتأثر بالظروف المضطربة التي تعيشها المنطقة والعالم. فقد كان البعض يتوقع انخفاضاً نسبياً هذا العام بسبب اندلاع أزمة الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على أمن المنطقة، لكن ذلك لم يحدث، كل العالم باتجاه الرياض دون توجس، وربما كان مؤتمر Leap - الذي انتهى مؤخراً بحضور عالمي اكتظ به موقع انعقاد المؤتمر - دليلاً على أن كل شيء يحدث هنا بشكل طبيعي، وأن العالم يثق في أن المملكة مسيجة بأمن كامل وشامل ومستتب، وأن الفرص الحقيقية والمضمونة موجودة هنا، رغم كل ما يحدث من عدم يقين في أماكن كثيرة أخرى تجعل رجال الأعمال والمستثمرين يعيدون حساباتهم كثيراً في بعض الدول.

الرياض أصبحت محترفة في إدارة الفعاليات، لكننا نريد انتقال تجربتها إلى بقية المدن الرئيسية، لأن كل منطقة لها خصائص جذب مختلفة، وطبيعة تناسب فعاليات معينة. لا نريد أن تصبح الرياض مرهقة بكل الفعاليات خصوصاً عندما نعرف أنه سيعقد فيها شهرياً عدد أكبر من فعاليات هذا الشهر. نريد انتقال مهارتها في إدارة الفعاليات إلى بقية المناطق، لتصبح كل منطقة قادرة على استضافة فعالية تتسق مع خصائصها، ولا بأس أن تختص الرياض بالمؤتمرات الدولية الكبرى التي تحتاج إمكانات لوجستية ضخمة لا تتوفر في غيرها.

هذه الدعوة، نهمس بها مرة بعد أخرى كي يكون الحراك وطنياً شاملاً، فأنا لا أتذكر آخر مرة عُقد مؤتمر تجاري أو استثماري في مدينة جدة، مدينة التجارة العريقة التي كان يُعقد فيها منتدى اقتصادي ضخم كل عام. ولماذا لا يعقد منتدى لاقتصاديات الزراعة في منطقة زراعية كجازان مثلاً، ومثله للعلوم والتقنية تحتضنه جامعة كاوست على شاطئ مدينة ثول، وآخر للطاقة في المنطقة الشرقية التي تتعملق فيها أكبر شركة عالمية للطاقة، وهكذا بحسب الخصائص والميزات النوعية لكل منطقة.

نحن نريده زخماً شاملاً في كل المناطق، والإمكانات أصبحت متوفرة في كل منطقة، فلنبدأ التخطيط لذلك، وننقل بعضاً من نبض الرياض الحيوي الجميل إلى شقيقاتها من المدن الأخرى، وتبقى هي القلب والمركز الذي يدير أوركسترا الوطن.

00:36 | 8-09-2026

الصحة القابضة.. شكراً.. وإن تأخرتم

شكراً لشركة الصحة القابضة على توضيحها لما تم تداوله بكثافة في مواقع التواصل بشأن استحصالها رسوماً من أطباء الامتياز، والذي قمت بالتعليق عليه في مقالي بصحيفة «عكاظ» يوم الثلاثاء الماضي بعد أن أصبح الموضوع متداولاً بشكل كبير خلال الأيام الأربعة السابقة لنشر المقال دون توضيح من الجهة المعنية به، وذلك ما يجعل الكتابة عن الموضوع مبررة، بل واجبة نظراً لأهميته الكبيرة، بالإضافة إلى عدم حضور الجهة مبكراً للتوضيح دون مبرر مفهوم، فقد كان بإمكان الصحة القابضة أن تتدخل سريعاً وتقول ما قالته في بيانها المتأخر الذي نشرته منتصف ليلة الأربعاء، الذي ذكر أنه «لم تتم مطالبة أي طبيب امتياز بدفع رسوم مالية مقابل إتمام فترة الامتياز في منشآتها»، ومثل هذا التوضيح لا يحتاج تفكيراً وانتظاراً طويلاً قبل نشره، وكان بإمكانها التصريح بذلك مبكراً لأنها أساساً لم تتخذ القرار الذي تم تداوله.

نحن هنا نتحدث عن خلل اتصالي في موضوع هام وحسّاس، فعندما تتوسع دائرة الحديث عن أي موضوع وينتشر في منصات التواصل الاجتماعي يصبح لزاماً على الجهة ذات العلاقة أن تسارع في حضورها للتوضيح، ومن باب أولى عندما يكون الموضوع مجرد شائعة لا صحة لها، وليس قراراً أو توجّهاً يحتاج وقتاً لصياغة حيثياته ومبرراته. وفي الجانب الآخر فإن مسؤولية الكاتب الصحفي أن يتطرّق إلى أي موضوع مهم يمس المجتمع، لا سيما عندما يكون ملتبساً ويتأخر توضيح الجهة المسؤولة عنه، هذه مسؤولية مهنية والتزام أخلاقي للكاتب تجاه المجتمع. ربما كانت جرعة عتابي لشركة الصحة القابضة كبيرة، لكني أبررها بأهمية الموضوع وتأخرها كثيراً في التوضيح، وربما أيضاً لتعاطفي النفسي التلقائي مع أطباء الامتياز لأني مررت بهذه المرحلة وأعرف جيداً أعباءها، بالإضافة إلى وجود تساؤلات واستفسارات مهمة سابقة لدى الكوادر الصحية بخصوص بعض إجراءات مرحلة التحوّل لم تتفاعل معها الشركة كما يجب، فجعلت تنبيهها إلى ذلك ضرورياً بعد تأخرها في موضوع أطباء الامتياز. وهنا يجدر التنويه إلى أن مسؤولاً في الشركة تواصل معي يوم الأربعاء الماضي وأكد لي أن موضوع رسوم أطباء الامتياز غير صحيح ولم يصدر أي قرار بذلك، فأخبرته بضرورة إصدار بيان رسمي توضيحي لكل المجتمع في أسرع وقت لإنهاء الموضوع، وقد تفهّم رأيي بمنتهى التهذيب والوعي وإدراك المسؤولية، وقد صدر البيان مساء يوم المحادثة، وهنا تتضح أهمية التواصل ومشاركة الرأي لأننا نتشارك ونسعى جميعاً لمصلحة الوطن والمجتمع.

وختاماً، ندرك أن الصحة القابضة مثقلة بملفات عديدة في غاية الأهمية، وعليها مسؤوليات ضخمة في قطاع كبير ومتشعب وحسّاس، ولكن رغم ذلك فإنه مهم جداً تواصلها المستمر مع المجتمع عندما تُطرح أي قضية تتعلق باختصاصها، وهذا ينطبق على كل الجهات الأخرى. نرجو لشركة الصحة التوفيق في تحقيق ما يصبو إليه المجتمع من تقديم خدمات صحية متميّزة.

00:00 | 4-09-2026

أطباء الامتياز في قبضة «القابضة»

من‭ ‬أبرز‭ ‬المواضيع‭ ‬المطروحة‭ ‬حالياً‭ ‬في‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬ما‭ ‬أشيع‭ ‬عن‭ ‬قرار‭ ‬شركة‭ ‬الصحة‭ ‬القابضة‭ ‬بإلزام‭ ‬أطباء‭ ‬الامتياز‭ ‬بدفع‭ ‬رسوم‭ ‬شهرية‭ ‬لتدريبهم‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬التابعة‭ ‬لها‭ ‬بمعدل‭ ‬2300‭ ‬ريال‭ ‬شهرياً،‭ ‬أي‭ ‬27‭ ‬ألف‭ ‬ريال‭ ‬للسنة،‭ ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬المفاجأة‭ ‬إحدى‭ ‬سلسلة‭ ‬المفاجآت‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬بها‭ ‬الشركة‭ ‬عملها،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يتضح‭ ‬إلى‭ ‬الآن‭ ‬مفهوم‭ ‬الشركة‭ ‬بالنسبة‭ ‬للتحوّل‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الصحي،‭ ‬ولم‭ ‬تفصح‭ ‬عن‭ ‬إستراتيجيتها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الكوادر‭ ‬الصحية‭ ‬برغم‭ ‬كل‭ ‬التساؤلات‭ ‬المهمة‭ ‬المطروحة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تقدّم‭ ‬الشركة‭ ‬إجابات‭ ‬عنها‭ ‬وكأنها‭ ‬شركة‭ ‬خاصة‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬للمجتمع‭ ‬معرفة‭ ‬ما‭ ‬يدور‭ ‬داخلها‭. ‬

ما‭ ‬علينا،‭ ‬دعونا‭ ‬الآن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬أطباء‭ ‬الامتياز‭ ‬فقط،‭ ‬ولغير‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الطبي‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬طبيب‭ ‬الامتياز‭ ‬هو‭ ‬خريج‭ ‬كلية‭ ‬الطب‭ ‬الذي‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يقضي‭ ‬إلزامياً‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬عاملاً‭ ‬في‭ ‬المستشفيات،‭ ‬متنقلاً‭ ‬بين‭ ‬عدة‭ ‬تخصصات،‭ ‬ويمثل‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬وأساسياً‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الكادر‭ ‬الطبي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مستشفى،‭ ‬ويتحمّل‭ ‬أعباءً‭ ‬ثقيلة،‭ ‬ومسؤوليات‭ ‬جسيمة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬تُعتبر‭ ‬شرطاً‭ ‬ضرورياً‭ ‬لمنحه‭ ‬رخصة‭ ‬الممارسة‭ ‬الطبية،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬مفترق‭ ‬الطرق‭ ‬للطبيب‭ ‬الخريج‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬مساره‭ ‬المستقبلي،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬خريج‭ ‬كلية‭ ‬الطب‭ ‬خلالها‭ ‬يُعتبر‭ ‬تحت‭ ‬إشراف‭ ‬كلية‭ ‬الطب‭ ‬ممثلةً‭ ‬في‭ ‬أساتذتها‭ ‬الذين‭ ‬يعمل‭ ‬الطبيب‭ ‬تحت‭ ‬إشرافهم،‭ ‬وغيرهم‭ ‬من‭ ‬الاستشاريين‭ ‬المعتمدين‭ ‬للتدريب‭ ‬والتقييم،‭ ‬وكان‭ ‬طبيب‭ ‬الامتياز‭ ‬يُمنح‭ ‬مكافأةً‭ ‬جيدة‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭ ‬تُشعره‭ ‬بأنه‭ ‬فعلاً‭ ‬يقدّم‭ ‬خدمة‭ ‬يستحق‭ ‬المكافأة‭ ‬عليها‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬التدريب‭ ‬متاحاً‭ ‬في‭ ‬المستشفيات‭ ‬الجامعية‭ ‬المحدودة،‭ ‬لكن‭ ‬أغلبه‭ ‬يتم‭ ‬في‭ ‬مستشفيات‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭. ‬

الآن،‭ ‬مطلوب‭ ‬من‭ ‬طبيب‭ ‬الأمتياز‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬مبلغ‭ ‬2300‭ ‬ريال‭ ‬شهرياً‭ ‬مقابل‭ ‬تدريبه،‭ ‬علماً‭ ‬بأنه‭ ‬خريج‭ ‬غير‭ ‬مسموح‭ ‬له‭ ‬بممارسة‭ ‬المهنة‭ ‬قبل‭ ‬اجتياز‭ ‬سنة‭ ‬الامتياز‭ ‬بتقييم‭ ‬يؤهله‭ ‬لذلك،‭ ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬حكم‭ ‬العاطل‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬رغم‭ ‬تخرجه،‭ ‬ومطلوب‭ ‬منه‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬للجهة‭ ‬التي‭ ‬سيتدرب‭ ‬في‭ ‬مستشفياتها‭ ‬ويخدم‭ ‬مراجعيها‭ ‬خدمة‭ ‬كبيرة،‭ ‬فماذا‭ ‬سيفعل‭ ‬الخريج‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لديه‭ ‬القدرة‭ ‬المالية‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬رسوم‭ ‬التدريب؟

دعونا‭ ‬نتحدث‭ ‬بوضوح‭ ‬وشفافية‭ ‬وصدق‭ ‬ونقول‭ ‬إن‭ ‬المبلغ‭ ‬المطلوب‭ ‬دفعه‭ ‬من‭ ‬طبيب‭ ‬الامتياز‭ ‬لمدة‭ ‬سنة‭ ‬هو‭ ‬27600‭ ‬ريال،‭ ‬وهذا‭ ‬المبلغ‭ ‬ربما‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬الميزانية‭ ‬الشهرية‭ ‬للشاي‭ ‬والقهوة‭ ‬والمرطبات‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬أي‭ ‬مسؤول‭ ‬كبير،‭ ‬ومنهم‭ ‬رئيس‭ ‬شركة‭ ‬الصحة‭ ‬القابضة،‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬خريجي‭ ‬كليات‭ ‬الطب‭ ‬بحسب‭ ‬آخر‭ ‬الإحصائيات‭ ‬يقارب‭ ‬5000‭ ‬خريج‭ ‬فإن‭ ‬تكلفة‭ ‬تدريبهم‭ ‬بحسب‭ ‬اشتراط‭ ‬الشركة‭ ‬تبلغ‭ ‬135‭ ‬مليون‭ ‬ريال‭ ‬سنوياً،‭ ‬وهي‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬على‭ ‬تكلفة‭ ‬مشروع‭ ‬خدمي‭ ‬فرعي‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المدن،‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬كبير‭. ‬ولكن‭ ‬عندما‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬المجال‭ ‬الصحي‭ ‬فإنه‭ ‬مبلغ‭ ‬لا‭ ‬يذكر‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬تأهيل‭ ‬آلاف‭ ‬الأطباء‭ ‬للعمل‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬الاحتياج‭ ‬فيه‭ ‬كبيراً،‭ ‬والفجوة‭ ‬متسعة‭ ‬لصالح‭ ‬الكادر‭ ‬الأجنبي،‭ ‬ونحتاج‭ ‬إلى‭ ‬عشرات‭ ‬السنين‭ ‬لسد‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬الكبيرة‭. ‬

المفهوم‭ ‬الاستثماري‭ ‬لشركة‭ ‬الصحة‭ ‬القابضة‭ ‬بهذا‭ ‬الشكل‭ ‬خاطئ‭ ‬جداً،‭ ‬ويتنافى‭ ‬مع‭ ‬المسؤولية‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬توطين‭ ‬وظائف‭ ‬القطاع‭ ‬الطبي‭ ‬الذي‭ ‬يعتبر‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬برامج‭ ‬الرؤية‭ ‬الوطنية‭ ‬2030،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬تعطيل‭ ‬آلاف‭ ‬الأطباء‭ ‬الخريجين‭ ‬بهذا‭ ‬الشرط‭ ‬المجحف‭ ‬سوف‭ ‬يضع‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬لديهم‭ ‬حول‭ ‬أهميتهم‭ ‬لوطنهم‭ ‬ومجتمعهم،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدولة‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬أبنائها‭ ‬وتحفّزهم‭ ‬على‭ ‬العطاء‭ ‬والبذل‭ ‬بما‭ ‬يكرس‭ ‬انتماءهم‭ ‬وحبهم‭ ‬لوطنهم،‭ ‬بينما‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬التوجه‭ ‬الحقيقي‭ ‬للدولة‭. ‬

المطلوب‭ ‬الآن‭ ‬مراجعة‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬المتعسف‭ ‬حفاظاً‭ ‬على‭ ‬معنويات‭ ‬أطباء‭ ‬الامتياز‭ ‬وتشجيعهم‭ ‬على‭ ‬تحصيلهم‭ ‬وتحفيزهم‭ ‬للإقبال‭ ‬على‭ ‬المراحل‭ ‬القادمة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬نأمله‭ ‬من‭ ‬شركة‭ ‬الصحة‭ ‬القابضة،‭ ‬فليس‭ ‬خطأً‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬القرارات‭ ‬الخاطئة‭.‬

00:14 | 1-09-2026

إيران.. الأفعال تناقض الأقوال

خبران متناقضان في نفس اليوم، يجعلان قارئهما يستحضر تلقائياً المقولة الشعبية الشائعة: «أسمع كلامك أصدقك، أشوف عمايلك أستعجب». حدث هذا يوم قبل أمس الجمعة، عندما تداولت وسائل الإعلام تصريحاً للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في حوار تلفزيوني، شدد خلاله على أنه «يجب ألا نتأخر في إقامة علاقات طيبة مع دول الجوار»، وأضاف قائلاً: «يجب أن نصلح نظرتنا للارتقاء بعلاقاتنا مع دول الجوار، وأن نصل معها إلى لغة مشتركة لضمان أمن المنطقة».

أما الخبر الثاني المتزامن مع تصريح الرئيس الإيراني، فهو ما نشره موقع العربية مساء الجمعة أيضاً، وهذا نصه: «أفادت مصادر «العربية» بورود معلومات استخباراتية عن مخطط لفصائل عراقية موالية لإيران لاستهداف السعودية». وأضافت المصادر، أن «تلك الفصائل تعتزم استهداف السعودية خلال الساعات القادمة».

الحقيقة أننا سمعنا من بعض المسؤولين الإيرانيين تكرار نغمة الرغبة في إقامة علاقة تتسم بحسن الجوار مع الجيران على الضفة الأخرى من الخليج العربي، لكننا نكتشف كل مرة أن الأفعال تختلف عن الأقوال، إلى الحد الذي لا يمكننا استخدام مقولة «أسمع كلامك أصدقك»، لأنه لم يعد هناك مجال لتصديق تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأن الرغبة في السلام والاستقرار وحسن الجوار. في كل مرة يصرحون بذلك نجد أن أفعالهم عكس أقوالهم تماماً، حتى فقدوا أدنى قدر من الثقة بحسن نواياهم. وفي كل مرة يرددون تلك النغمة نواجه اعتداءً سافراً بعدها خلال وقت قصير، لكن هذه المرة كان الوقت أقصر مما نتصور، فقد جاء خبر ورود معلومات استخباراتية عن مخطط لفصائل عراقية موالية لإيران لاستهداف السعودية بعد ساعات قليلة من تصريح الرئيس الإيراني، أو يكاد يكون متزامناً معه، وذلك ما يفقدنا أي أمل في مصداقية النظام الإيراني، أو رغبته في حسن الجوار.

ربما لم يستوعب نظام طهران بعد قدرة المملكة العالية على جمع المعلومات المؤكدة عن مخططاته التي ينفذها بواسطة مليشياته، وكشفها والاستعداد الاستباقي لها. ولعل نشر خبر المعلومات الاستخباراتية بعد وقت قصير جداً من تصريح الرئيس الإيراني يتضمن رسالة واضحة له ولغيره من أصحاب التصريحات الكاذبة، مفادها أننا قادرون على كشف كذبكم أمام العالم الذي تحاولون استغفاله بالتناقض الصارخ بين الأقوال والأفعال.

00:10 | 30-08-2026

كيف ينجح المركز الثقافي السعودي في باريس؟

من النتائج الجميلة الكثيرة لزيارة ولي العهد إلى فرنسا إعلان وزارة الثقافة عن إنشاء مركز ثقافي سعودي في باريس لتقديم «صورة ثقافية أصيلة تعرّف العالم بإرث المملكة الحضاري، وإنتاجها الإبداعي المعاصر» بحسب ما جاء في بيان الوزارة، الذي أشار أيضاً إلى أن أهداف المركز تتمثل في: تنظيم البرامج الثقافية النوعية، إشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته، دعم حضور الممارسين الثقافيين دولياً، تعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، بناء شراكات إستراتيجية بين المؤسسات الثقافية في البلدين، وتبادل الخبرات وتنفيذ المبادرات المشتركة.

الفكرة رائعة، فمن ناحية تمثل المراكز الثقافية قوة ناعمة كبيرة التأثير، استخدمتها دول عديدة منذ زمن بعيد ومنها فرنسا التي أنشأت منظومة نشطة من المراكز حول العالم تخدم المشروع الثقافي الفرنسي بكل جوانبه، ومن ناحية أخرى فإن المركز السعودي المزمع إنشاؤه سيكون في باريس بما تمثله من مركزية عالمية للثقافة، وكونها قبلة المثقفين من كل بلدان العالم، وعاصمة النور والتنوير، والجوهرة المشعة بالآداب والفنون، وهذا ما يجعلها مدينة حسّاسة في فرز المنتجات الثقافية التي تصدر فيها بإخضاعها لمعايير عالية في الجودة.

ومن أجل ذلك نحن إزاء مهمة ليست سهلة، وفكرة ليست بسيطة حين ننشئ مركزاً ثقافياً سعودياً في باريس، لكنها قابلة للنجاح والتميز والتأثير إذا خططنا ونفذنا واضعين في أذهاننا الاعتبارات المهمة لمشروع كهذا. وفي هذا الصدد نتذكر معرض الرياض بين الأمس واليوم الذي أشرف عليه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عندما كان أميراً للرياض في الثمانينات، وكيف نجح المعرض نجاحاً باهراً ونقل الثقافة السعودية بتميز كبير.

ولكي ينجح المركز الثقافي السعودي الدائم في باريس ويحقق أهدافه كما نريد يجب أن نضع له رؤية واضحة أولاً، ثم لا بد أن تديره كفاءات حقيقية متميزة في الشأن الثقافي بعيداً عن المجاملات والشللية، تستطيع تصميم برامج عالية الجودة، متنوعة المحتوى، تمثل الطيف الثقافي السعودي بكل شموليته وتنويعاته ومراحله وأجياله، دون احتكار أو مصادرة أو تمييز لمكوّن ثقافي على حساب البقية.

الموضوع لا يجب أن يكون رحلة استجمام طويلة في باريس لعاملين غير أكفاء في المركز، أو رحلة سياحية قصيرة مدفوعة الثمن لممثلين غير مؤهلين للثقافة السعودية. فهو مشروع وطني مهم لصناعة الصورة الذهنية عن مملكة التأريخ والثقافة والحضارة التي تمثلها الرؤية الوطنية التي آمنت بالثقافة كرافعة مهمة للوصول إلى أهدافها.

00:00 | 27-08-2026

سعودية تُدير منظمة الصحة العالمية

في خبر مهم ومثير رشّحت المملكة رسمياً الدكتورة حنان بلخي لمنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية الذي سيكون شاغراً عند انتهاء فترة المدير الحالي في 15 أغسطس 2027. والدكتورة تشغل حالياً مديرة المنظمة لإقليم شرق المتوسط منذ عام 2024، وقبل ذلك عملت مساعدة المدير العام لشؤون مقاومة مضادات الميكروبات، وهي في الأساس طبيبة متخصصة وباحثة في الأمراض المعدية ولها خبرة مهمة في مكافحة الأوبئة.

هذه المنظمة المعنية بصحة العالم التي اكتسبت وجودها القانوني وبدأت ممارسة عملها في 7 أبريل 1948 الذي أصبح يمثل الاحتفال بيوم الصحة العالمي، لم يسبق أن أدارها شخص من إقليم شرق المتوسط الذي يضم 22 دولة وأكثر من 750 مليون نسمة، كل المديرين الثمانية الذين تعاقبوا على المنظمة من خارج هذا الإقليم، ولذلك يبدو من المهم التوقف عند خبر ترشيح الدكتورة حنان بلخي.

مرشحة المملكة خبيرة مؤهلة لشغل المنصب، لكن المنافسة لن تكون سهلة، فإلى حد الآن هناك ثلاثة مرشحون بالإضافة لها، هم الدكتورة حنان الكواري وزيرة الصحة القطرية السابقة، ومرشح بلجيكا الدكتور هانز كلوجة المدير الإقليمي للمنظمة في أوروبا، ووزير الصحة الإندونيسي بودي سايديكين، المتخصص في الفيزياء النووية وعمل مصرفياً قبل توليه حقيبة الصحة، ما يعني أنه ليس بالضرورة أن يكون المرشح متخصصاً في المجال الصحي، ومن قائمة المديرين السابقين نجد أن بعضهم كان طبيباً وباحثاً، وبعضهم كان إدارياً أو سياسياً بارزاً، وهذا يعكس طبيعة المنصب: فهو ليس منصباً طبياً بحتاً، وإنما قيادة سياسية ودبلوماسية وفنية وإدارية لمنظمة دولية.

وعلى أي حال فإن آلية اختيار مدير عام جديد تمر بآلية محددة، فالدول الأعضاء تقدم مرشحيها في موعد نهائي هو 24 سبتمبر 2026، ثم تعلن القائمة الرسمية النهائية في 29 أكتوبر، وبدوره يقوم المجلس التنفيذي للمنظمة بالتدقيق واختيار ثلاثة مرشحين، ثم تذهب الأسماء إلى جمعية الصحة العالمية حيث يتم الانتخاب بالاقتراع السري في شهر مايو 2027.

الاستطلاعات المبكرة جداً تضع الدكتورة حنان بلخي في المجموعة الأولى الأكثر تأهيلاً بسبب خبرتها في المنظمة وقيادتها لإقليم شرق المتوسط، لكن المسألة ليست التأهيل الشخصي فقط، فالدبلوماسية السعودية سيكون لها دور مهم وفاعل في الدفع بمرشحة المملكة إلى المنصب بتشكيل تحالف انتخابي عبر عدة دوائر عربية وإسلامية وآسيوية وأفريقية، ودول أخرى ترى في المملكة شريكاً صحياً وتمويلياً مهماً، إضافة إلى أن المملكة دولة تستثمر بكثافة في الصحة والتحول الصحي والأمن الصحي، كما أن لها تجارب نجحت بتميّز في مواجهة جائحة كوفيد وقبلها وباء حمى الوادي المتصدع عام 2000، وكذلك تقليص الأمراض المعدية في المجتمع إلى نسبٍ ضئيلة جداً تعتبر من أفضل الإنجازات عالمياً.

مرشحتنا الدكتورة حنان بلخي مؤهلة بكل المقاييس، وتمثل دولة متطورة في المجال الصحي والسياسات الصحية، ووزنها وثقلها وتأثيرها العالمي على كل الأصعدة يتيح لها المنافسة على قيادة منظمات دولية مهمة. نحن الآن في البداية وسوف تتوالى أسماء مرشحي الدول الأخرى، لكن يجب أن نبدأ من الآن بتفعيل كل إمكاناتنا ليكون جلوس الدكتورة حنان في مكتب مدير عام الصحة العالمية ممكناً.

23:59 | 25-08-2026

الرياض وباريس.. من التأريخ إلى الشراكة

في بدء زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لفرنسا، نقلت وسائل الإعلام الفرنسية تصريحاً للرئيس إيمانويل ماكرون، بأن ولي العهد من أكثر زعماء الدول الذين يتواصل معهم لا سيما خلال المرحلة المضطربة الراهنة، كما أن الإعلام الفرنسي وصف الزيارة بأنها بالغة الأهمية ويُنتظر منها نتائج إيجابية في ما يخص العلاقات الثنائية وتنسيق المواقف بخصوص أزمات المنطقة، وفي مقدمتها الأزمة الكبرى بين أمريكا وإيران وارتداداتها التي تتجاوز النطاق الإقليمي إلى العالمي، وبكل ما تحمله من مخاطر على الأمن والاقتصاد.

ولفهم طبيعة العلاقات بين البلدين لا بد من استعراض تأريخها ومحطاتها البارزة منذ زيارة الملك فيصل -رحمه الله- لفرنسا، ولقائه بالزعيم الفرنسي شارل ديجول عام 1967، والتي ما زالت توصف بأنها زيارة تأريخية لأنها تجاوزت تفاصيل العلاقة البروتوكولية إلى رسم السياسات والإستراتيجية وتحديد المواقف بشأن مستقبل العلاقة الثنائية، وقضية الشرق الأوسط بعد احتلال إسرائيل للأراضي العربية بعد حرب 67.

ومنذ ذلك الوقت، استمرت العلاقات بين البلدين جيدة ومتوازنة تطمح إلى تحقيق المصالح المشتركة، ولكن يمكن القول، إنه تم إعادة تعريف العلاقات بعد بدء العمل برؤية 2030، إذ انتقلت إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية طويلة المدى ضمن إطار مؤسسي أوسع، يشمل الدفاع والطاقة والاستثمار والثقافة والتقنية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب التنسيق السياسي، بعد إنشاء مجلس الشراكة الإستراتيجي السعودي–الفرنسي خلال زيارة الرئيس ماكرون إلى الرياض في ديسمبر 2024.

والآن تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها ولي العهد في ظرف دولي بالغ الحساسية، ليس بالضرورة أن تتطابق المواقف بين الجانبين حيال كل الملفات، لكن الأهم أن يعمل البلدان بإيجابية عالية ومؤثرة، انطلاقاً من قناعتهما بضرورة حفظ السلام وتجنيب الاقتصاد الدولي هزات عنيفة نتيجة اضطراب ممرات الملاحة، والعمل برؤية مشتركة لتخفيف حدة التصعيد والعنف الذي تشهده المنطقة، كما أن لفرنسا دوراً تأريخياً مهماً في بعض ملفات دول المنطقة، مثل لبنان الذي يشهد الآن محاولة جادة تدعمها المملكة للخروج من أزمته المزمنة المعقدة بسبب التدخل الإيراني في شؤونه واحتلال إسرائيل لأجزاء من أراضيه.

الشراكة الإستراتيجية السعودية الفرنسية تسعى للعمل بما يناسب الظروف الدولية الراهنة كدولتين مؤثرتين في المشهد الدولي، وأيضاً للدفع بالتعاون الثنائي إلى آفاق متطورة تحقق طموحات الجانبين.

00:00 | 25-08-2026

احتضان الأيتام.. منظومة إنسانية متكاملة

هل استطاعت زحمة الحياة وانشغال البشر بذواتهم واحتياجاتهم وهمومهم الخاصة طمس نزعة الخير والمبادرات الإنسانية والأعمال النبيلة في المجتمع؟ حتماً لا، فرغم كل شيء ما زلنا نسمع قصصاً تؤكد أن الإنسانية ما زالت نابضة، والخير ما زال يتنفس، والقلوب الرحيمة ما زالت تتوق إلى احتضان المتعبين. وهل هناك من هم أشد حاجةً إلى ذلك من الأيتام، الذين تفتحت عيونهم على الحياة غرباء وحيدين فيها؟

القصة التي شاهدناها على قناة mbc مؤخراً للفنان بشير الغنيم، تؤكد مقولة: «من يفعل الخير لا يعدم جوازيه، لا يذهب العرف بين الله والناس». احتضنت أسرته طفلة يتيمة منذ طفولتها المبكرة، كبرت وترعرعت وشقت طريق الحياة داخل أسرة منحتها الحب والحنان والاهتمام والرعاية، ويشاء القدر أن تصاب أمها الحاضنة بمرض عضال احتاجت إلى زراعة كبد، فبادرت الفتاة للتبرع، وشاء الله أن تؤكد الفحوصات مطابقتها وصلاحيتها للتبرع، وحدها من بين الآخرين كانت هذه الفتاة هي المنقذة لأمها الحاضنة، فأي دليل نحتاجه على الأجر العظيم الذي يهبه الله لكافل اليتيم.

هذه القصة تدفعنا للبحث في موضوع رعاية الأيتام، وتحوله من عبء فردي وخاص بالأسرة الحاضنة إلى عمل مؤسسي متكامل تقوم به وتشرف عليه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية. والحقيقة أننا حين نعرف منظومة الدعم التي تقدمها الوزارة سنجد أنها تتصف بالشمولية والاستمرارية، ليس للأيتام فقط بل للأسر الحاضنة وفق معايير عالية تضمن تحقيق رحلة نجاح في كل جوانبها.

لقد وضعت الوزارة ضوابط وشروطاً محددة يجب توفرها في الأسر الحاضنة، اجتماعية وصحية وسلوكية ونفسية واقتصادية، وذلك من أجل توفير بيئة أسرية آمنة ومستقرة، تحقق مصلحة الأيتام وحفظ حقوقهم بتنشئتهم لدى أسر توفر الرعاية والاهتمام. والأمر لا ينتهي بالموافقة على احتضان أسرة ليتيم، إذ تقوم الوزارة بمتابعة مستمرة وزيارات دورية للاطمئنان على أوضاع اليتيم واستقراره وجودة الرعاية الاجتماعية والنفسية المقدمة له. ليس ذلك فقط، بل هناك منظومة دعم شاملة وباقة إعانات متنوعة، فبالإضافة إلى الدعم المالي للأسر الحاضنة، فإن الوزارة تدعم الخدمات الصحية بشمولهم بالتأمين الصحي الإلزامي، وكذلك الخدمات التعليمية في التعليم العام والأهلي والابتعاث الداخلي والخارجي ودفع الرسوم الدراسية، ولعله من المثير أن تعرفوا أن الوزارة تستمر في رعايتها لليتيم وصولاً إلى زواجه بتقديم دعم مالي له في هذه المناسبة.

هناك كثير من التفاصيل التي لا يتسع المجال لذكرها هنا بخصوص ما تقدمه الوزارة ضمن منظومة الاحتضان، لكنها بكل المعايير منظومة إنسانية فريدة، وعندما توصف المملكة بأنها مملكة الإنسانية، فإن هذا الجانب هو أحد الجوانب المشرقة لإنسانيتها.

00:00 | 23-08-2026