لقد رحل العم العزيز على قلوب محبيه من الأهل والأصدقاء والزملاء وكل من يعرفه.. بدون أن أحظى بإلقاء نظرة أخيرة لوداعه، وقد شعرت بموجة طاغية من الحزن على فراقه ولكن هكذا قدرنا نحن بني البشر، ولا نملك تجاه ذلك سوى التسليم والرضا بما قدره الله جل وعلا.. وأقول بهذه المناسبة الحزينة لمن يعرف ومن لا يعرف حقيقة الرجل.. إن هذا الإنسان الخلوق كان يعتبر من البقية الباقية من رجالات مكة المكرمة الكرام المشهود لهم بالإخلاص والوفاء وطيبة القلب وعمل الخير، وقد سعدت بالعمل في معيته في الإدارة الحكومية «ديوان نائب جلالة الملك في الحجاز» وكان سمو الأمير فيصل بن عبدالعزيز طيب الله ثراه في ذلك الحين.. كان ذلك في عام 1370هـ حينما التحقت بالعمل في ديوان النيابة العامة، كاتباً في سجل الوارد وكان العم عبدالله حينذاك مدير الشعبة الإدارية بالديوان وكان مدير عام الديوان يومئذ الأستاذ الأديب المعروف محمد عمر توفيق ومساعده الأستاذ رشيد فارسي يرحم الله الجميع.. وحينما تقرر نقل ديوان النيابة العامة من مكة المكرمة إلى جدة كان رئيس الديوان حينذاك المرحوم الشيخ إبراهيم السليمان العقيل وقد حدث ذلك عام 1374هـ وقبل هذا التاريخ أصبح الشيخ عبدالله كامل مساعداً لمدير عام الديوان.. غير أن الأستاذ محمد عمر توفيق كان قد اعتذر عن الانتقال من مكة إلى جدة لظروف خاصة به مما أتاح الفرصة لمساعده الشيخ عبدالله كامل لكي يصبح هو المدير العام لديوان النيابة العامة في جدة وظل على هذا الحال حتى تقرر انتقال الديوان إلى الرياض العاصمة أسوة ببقية الوزارات الحكومية في عام 1376هـ- هذا وقد تحول اسم ديوان النيابة إلى مسمى (ديوان رئاسة مجلس الوزراء) في عهد الملك سعود طيب الله ثراه، وكان المدير العام هو الشيخ عبدالله كامل الذي دخل هذا الديوان شاباً يافعاً وخرج منه شيخاً كبيراً وذلك عند انتهاء خدماته بالتقاعد قبل عشرين عاماً حافلة بالعمل الجاد المخلص والعطاء والإنجاز النافع.. هذه نبذة مختصرة عن حياة الراحل العزيز العملية في الإدارة الحكومية حسب ما وعته الذاكرة.. ومن خلال عملي معه بالديوان لمدة ستة عشر عاماً متواصلة اكتشفت فيه شتى المزايا والمناقب الحميدة التي تجدر الإشارة إليها والتنويه عنها من باب ذكر الحقيقة وبيان الواقع وهي كما يلي:
أولاً: كان هذا الرجل الإنسان صاحب قلب رقيق عطوفاً متواضعاً يحب مساعدة الناس ويشجع الشباب على الاعتماد على أنفسهم وتحمل المسؤولية خاصة وقد كنا من صغار الموظفين في ديوان النيابة العامة نستفيد من نصائحه وإرشاداته في العمل والحياة. ثانياً: معروف عنه أنه رجل عصامي استطاع بقوة شخصيته وتفانيه في العمل بجد وإخلاص وأمانة حتى أصبح شيئاً مذكوراً في المجتمع وقد حصل على ما كان يطمح إليه من الرقي في المنصب والثراء العريض الذي كان عليه أبناؤه نتيجة حسن التربية والتوجيه السديد من والدهم طيب الذكر. ثالثاً: كان شيخنا الراحل يتمتع بذاكرة قوية أتعبتني وزملائي ممن كنا نعمل على وظيفة (معقب) في ديوان النيابة/ نراجع الأساسات الصادرة بأوامر سامية ونعقب على المعاملات السابقة التي يتذكرها العم عبدالله عندما يشرح على بعض الأوراق الواردة بقلمه (لها سابقة حسب ما أتذكر) وهكذا كانت ذاكرة شيخنا المدير العام فيما بعد تسعف قادة الإدارة الحكومية في بلادنا، أحياناً في الرجوع إلى قرارات سياسية واقتصادية مهمة لمصلحة البلاد منذ سنين خلت.. رابعاً: لا أنسى ما حييت المعروف والجميل الذي أسداه إلينا مديرنا الراحل الكريم أنا وزملائي ممن كنا نعمل في ديوان النيابة العامة في مكة المكرمة وهم الإخوان السيد علوي نحاس والمرحوم عابد عجيمي والأخ محمود رواس، والمتمثل في سعيه الجاد لإقناع رئيس الديوان المرحوم الشيخ إبراهيم السليمان العقيل في عام 1373هـ لكي يتيح لنا الفرصة نحن الشباب من موظفي الديوان الذين يدفعنا طموحنا لطلب الترقية من وظيفة كاتب عادي إلى وظيفة (مساعد مدير شعبة) في الديوان.. وكانت هذه الترقية المنشودة صعبة المنال حيث كانت النية متجهة من قبل الإدارة في الديوان -إلى شغل هذه الوظائف الأربع الشاغرة ذات المرتبة العالية، بموظفين أكفاء يمتازون بحسن السيرة والسلوك، يجري اختيارهم من الوزارات والإدارات الحكومية ولكن العم عبدالله أحسن الله إليه وغفر له استطاع بما له من منزلة ومكانة عند رئيس الديوان إقناعه والحصول على موافقته بأن أبناء الإدارة والعاملين في الديوان هم أحق بالرعاية والتشجيع من غيرهم وأنهم سوف يعملون على ما يؤكد أنهم محل الثقة والمسؤولية.. إلخ. وهكذا حقق لنا الشيخ عبدالله كامل الأمل المنشود وكانت نقلة ودفعة قوية لنا للصعود في السلم الإداري للمرتبة العالية.. جزاه الله عنا خير الجزاء. خامساً: عندما انتقل ديوان النيابة العامة إلى الرياض العاصمة واستقر بنا المقام في قصر الحمراء الذي بناه الملك الراحل سعود، بعدت الشقة على الناس في مراجعة معاملاتهم من مكة وجدة والمدينة والطائف.. إلخ، وأصبح من الصعب على المواطنين هناك التعقيب على معاملاتهم ومراجعاتهم بالسفر إلى الرياض وأدرك الشيخ عبدالله صعوبة الموقف ومدى حاجة أولئك المراجعين للمساعدة فما كان منه سوى أن كلف أحد موظفي الديوان وهو المرحوم حسن قماش، بأن يتولى التعقيب ومراجعة معاملات المواطنين من شتى بلدان المملكة والرد على رسائلهم التي تصل موجهة إلى المدير العام مزوداً إياهم بأرقام الأوامر السامية الصادرة حيالها.. وكانت هذه خطوة موفقة منه وعملاً صالحاً يحتسبه عند الله الكريم جزاه الله عن ذلك خير الجزاء وأكرم مثواه وجعل الجنة مأواه وبارك له في ذريته وأهله وبعد..
فإن الحديث عن هذا الرجل الإنسان الصالح قد يطول ويحتاج إلى صفحات وفي الجعبة الشيء الكثير من الذكريات والمواقف والتجارب المكتسبة منه ربما تتاح الفرصة للحديث عنها في قادم الأيام إن شاء الله.