صوتك اللي بقالـي مـن ليالينا عاد لو غاب صوتك ، ويش يبقالي
هذا النص القادم من اوكلاهوما، المتشبع بأعباء السفر والغربة ، أتانا بكل ما يحمل من عفوية تعودناها من شاعر أشاد به صاحب التجربة الواسعة في هذا المضمار الأمير بدر بن عبد المحسن ، تلك العفوية التي كانت في بعض الأحايين تشكل مساراً ذاتياً مقفل الأبواب ، إلا أنها أتت هذه المرة بالذات على عكس ما كنا نتوقعه من شاعر مثل مساعد الرشيدي، بالرغم من كل الظروف المضادة للنص!
عادية النص بدت - ولأول وهلة - تشكل انكسارية عجيبة من شاعر كان من المفترض أن يحاكي البيت الأوحد – لمن أشاد به :
مثل النخيل خلقت أنا وهامتـي فـوق
ما أعتدت أنا أحني قامتي إلا فـصلاتي
إلا أن الشاعر أصر أن يبقى مكتوف الأيدي أمام كل العواصف العاطفية التي تمر به هناك ليتحرك باتجاه الوطن ، ولكن بمنحى آخر مغاير للماء والطين .
بدءا مما قبل الشروع في مكامن النص ، هناك فاصل قد لا يغزو أذهان الجميع ، ومع أننا ولا شك نحمل كل البسمات المضيئة لشاعر مثل مساعد ، إلا أن هذا الفاصل – ربما – كان من جملة المآخذ ، بل من أهمها على الإطلاق في هذا النص .
ظروف يمر بها مغترب مثل مساعد كانت أحق أن تخلق في نفسه شيئاً من الجاذبية الوطنية المتعلقة بالأرض لا بالجسد.
وحتى لا نفلت من عقبات النص إلى البحث فيما كان وما لم يكن ، أحببت أن أضيف شيئاً إلى المكتبة الشعبية أبعثر فيه الرأي القائل بسيادة الرشيدي للنص الشعبي ، وهو أن نصه الآني – إن لم يكن ضده – فمن الحق أن لا يحسب له ، بمعنى أن يعاد النظر فيما كان من تنصيب الشعراء بعضهم قمة الإبداع.
دخول :
صوتك الذكريات اللي تدفينا
كل ما هل شفت العيد يبدالي
لا أعلم إن كانت التجربة الطويلة التي مر بها شاعر مثل مساعد ، لا تسعفه في السيطرة على إشكالية البيت الذي أبدته كلسان لا يحسن من العربية إلا التقوقع في متاهاتها ، وعدم البوح بالمضمون في شكل انفرادي يهب الحقيقة وجهاً من جمال .
تلك الإشكالية / العادية كانت في (يبدالي) علماً أن سهولة القافية في النص لم تكن لتقف حاجزاً في إظهار البيت بصورة أخرى قد تكون أجمل مما هي عليه ، وكلنا يعلم كم تكون قافية البيت في القصيدة العمودية مهمة، خاصة عندما تحمل صورة موحدة لم يكن السبب في انقضاضها سوى عملية التقفية.
صوتك بعيد .. مثل البعد يطوينا
صوتك أغليه صوتك يا بعد حالي
تلقائية مفرطة تكمن في الشطر الآخر من البيت ، ولست أدري إن كان هذا البيت دخيلاً على النص أم جزءاً منه، لأنه في الواقع لم يضف له ، فهو تكرار ليس إلا ..! وعموماً فلعل البوح – أحياناً – بشكل يقترب من العادية لا يسند عملية الترجمة الشعورية بشكل يحمل كامل المصداقية ، فلربما أحسن الشاعر لو قال :
صوتك البعد ، ليش البعد يطوينا؟
أما تتمة البيت فلعل محوه من خارطة النص قد يكون جديراً لولا أني لا أملك ذلك ، خاصة عندما تكون الأشياء ذات إفراز تبعي ولها تراكيب متصلة ببعضها – وفي مجال الشعر – فإن من الموبقات الإقدام على ذلك .
من غروب الكلام لشرق أسامينا
يا حبيبي وصوتك عندي الغالي
ما يفقد هذا البيت جماليته – وإن كان يبدو من الوهلة الأولى كذلك – هو ذلك التضاد اللامتجانس بين (غروب الكلام) و (شرق الأسامي) ولا أدري كيف استطاع الشاعر تحديد هذه المسافة بين قطبين لايمت أحدهما للآخر بصلة..!
سولفي .. لعن أبو هـمٍ يبكينـا
أنتي أقصى مدى الهقوات والتالي
في عجز البيت مقابلة لا تحمل سمة التضاد ، كما تقدم في الكلام على ( غروب الكلام ) و( شرق الأسامي ) والواقع – فعلاً – أن الشاعر خانه تصنيف الأشياء على أساس من الجناس ، فـ “ أقصى “ في البيت هي “ التالي “ فكيف تكون ( كل الهقوات ) ؟ وكيف تغطيها الشمولية من أولها إلى آخرها كما يريدها الشاعر ؟
يقبل الليل لا مرفا .. ولا مينـا
عاد لو غاب صوتك ويش يبقالي
لا ريب أن استنجاد الشاعر في نصه هذا بكل طرائق مكملات النص الشعبي لم تسعفه – ولو بشيء يسير – فضلاً عن أنها أبعدته – كل البعد – عن تقديمها بشيء من الواقعية ، التي ربما سعى الشاعر إليها ، ناسياً أو متناسياً كل مقومات القصيدة الأولية ، فإعادة الشاعر للكلمة ( مينا ) التي هي في ذات الوقت ( مرفا ) سلبية ، خصوصاً في حق من استطاع تطويع المفردة الشعبية – في أغلب نصوصه – وتقفيتها بشكل يوحي بغزارة أدواته الشعرية ..!
وعندما يقارن المتتبع لنتاج مساعد الرشيدي بين نصه ( كلك غلا ) وبين ( هذا النص ) المتشبع بالغربة والانكسار ،والذي يجب أن نلغيه من ديوان مساعد يدرك بما لا يدع مجالاً للشك هذا البون الشاسع ، الذي لا يستطيع من خلاله تطمين قناعاته الذاتية بأن كرسي القمة في الشعر الشعبي يمكن أن يكون لأحد بعينه .