عند زيارة مسجد قباء في المدينة المنورة يتذكر المسلمون وضيوف الرحمن وزوار طيبة الطيبة الهجرة النبوية المباركة وكفاح النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في سبيل الاسلام وذكريات جهاد الانصار وصمودهم إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم حتى تغلغل دين الله في الأرض وانتصر الحق على الباطل والتوحيد على الشرك والهدى على الضلال وكانت انطلاقة الاسلام الأولى في المدينة المنورة من مسجد قباء حيث كانت قباء هي القرية التي استقبل فيها صلى الله عليه وسلم بالحفاوة والترحيب كما انه أول مسجد أسس على التقوى وأول مسجد بني في الإسلام. يقع مسجد قباء في الجنوب الغربي من المدينة المنورة ويبعد عن المسجد النبوي الشريف بحوالى خمسة كلم وله محراب ومنارة ومنبر رخامي وفيه بئر تنسب لأبي ايوب الانصاري ومصلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وكان فيه مبرك الناقة وقد سمي المسجد بهذا الاسم لوقوعه في منطقة قباء وقباء في الأصل اسم لبئر عرفت به المنطقة وكانت القبلة أول ما أسس إلى بيت المقدس واستمرت على ذلك 16 شهراً ثم حولت القبلة إلى الكعبة المشرفة بمكة المكرمة فأراد المسلمون ترميم المسجد ومنه القبلة الجديدة فجاء اليهم النبي صلى الله عليه وسلم فحدد القبلة وشاركهم في بنائه.
أطراف الحرة
المؤرخ الدكتور تنيضب الفايدي قال عن تاريخ تأسيس مسجد قباء: تحتضن المدينة المنورة حرتين، الحرة الشرقية حرة واقم والحرة الغربية حرة الوبرة وتلتقي هاتان الحرتان مع عدة حرار جنوب المدينة المنورة وهي: حرة بياضة في الجنوب الغربي، وحرة شوران في الجنوب وحرة قريظة في الجنوب الشرقي وقديماً كان دخول المدينة المنورة عن طريق الشمال وقد سكنت قبائل الأنصار في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم في أطراف الحرتين مما يلي مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حيث سكنت قبائل الخزرج في أطراف الحرة الغربية شرقاً أي غرب وجنوب المسجد النبوي، ويبتعد بعضها ويقترب الآخر من المسجد ومن قبائل الخزرج: بنو سلمة وقد سكنوا في نهاية الحرة الغربية شمالاً ويوجد بموقعهم حالياً مسجد القبلتين، وهو في الأصل مسجدهم، وسكن بنو حرام أي: معصومو الدماء والأموال والأعراض، وهم فرع من بني سلمة في سفح جبل سلع الغربي، ويوجد حالياً مسجدهم (مسجد جابر بن عبدالله رضي الله عنه، بنو دينار، ومسكنهم في (المغيسلة) حالياً حيث مسجدهم (مسجد بني دينار)، بنو عوف وهم أقرب إلى مسجد قباء، وفي منازلهم مسجد الجمعة حالياً، (حيث صليت أول جمعة في الإسلام)، بنو زريق وهم أقرب إلى مسجد قباء، بنو ساعدة وسكنهم غرب المسجد النبوي، حيث سقيفة بني ساعدة حالياً، بنو خدرة ومنهم (أبو سعيد الخدري رضي الله عنه)، وسكنهم جنوب المسجد النبوي.
أما قبائل الأوس فتسكن في الأطراف الغربية للحرة الشرقية (حرة واقم) مما يلي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قبائل الأوس بنو خطمة، بنو أنيف، بنو عامر، بنو ظفر، بنو معاوية، وهم بطن من الأوس، ولهم مسجد (مسجد بني معاوية) أو مسجد الإجابة حالياً، يليهم بنو عبد الأشهل، وبنو حارثة في الأطراف الشمالية للحرة الشرقية يقع هذا المسجد في الجنوب الغربي للمدينة المنورة.
ولما سمع المسلمون بالمدينة المنورة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة، كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة أول النهار، فينتظرونه فما يردهم إلا حر الشمس. ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قرية قباء في شهر ربيع الأول نزل في بني عمرو بن عوف بقباء على كلثوم بن الهدم وكان له مربد، فأخذه منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسس مسجد قباء، وهو أول مسجد أسس على التقوى، وكان صلى الله عليه وسلم ينقل بنفسه الحجر والصخر والتراب مع صحابته.
وفي قبالة هذا المسجد قام المنافقون ببناء مسجد آخر، ودعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي فيه، فنزل جبريل (عليه السلام) يحذر النبي صلى الله عليه وسلم منهم ومن كيدهم، ويقرأ عليه هذه الآيات: {لا تقم فيه أبداً لمسجد أسس على التقوى..}. وعبر القرآن عنه بأنه مسجد ضرار، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بهدمه وإحراقه.
تجديد المسجد
ويضيف الدكتور تنيضب الفايدي انه تم تجديد في مسجد قباء وزاد فيه الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في خلافته.. كما جدده وزاد فيه عمر بن عبدالعزيز في ولايته على المدينة في عهد الوليد بن عبدالملك الأموي أثناء عمارته للمسجد النبوي سنة 91-93هـ وجعل له مأذنة ورحبة وأروقة وبالغ في تنميقه، ونقشه بالفسيفساء وسقفه بالساج.
وجدده جمال الدين الأصفهاني وزير بني زنكي من حكام الموصل سنة 555هـ ثم جدد سنة 671هـ وجدد فيه الناصر بن قلاوون سنة 733هـ.
وجدد أكثر سقفه الأشرف برسباي سنة 840هـ، وسقطت منارته سنة 877هـ فجددها قايتباي سنة 881هـ مع عمارة المسجد النبوي. العمارة الموجودة الآن.
وفي العهد السعودي لقي مسجد قباء عناية كبيرة فرمم وجددت جدرانه الخارجية، وزيد فيه من الجهة الشمالية سنة 1388هـ. وفي عام 1405هـ أمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله بإعادة بنائه ومضاعفة مساحته عدة أضعاف مع المحافظة على معالمه التراثية بدقة، فهدم المبنى القديم وضمت قطع من الأراضي المجاورة من جهاته الأربع إلى المبنى الجديد، وامتدت التوسعة وأعيد بناؤه بالتصميم القديم نفسه، ولكن جعلت له أربع مآذن عوضاً عن مئذنته الوحيدة القديمة، كل مئذنة في جهة وبارتفاع 47 متراً.
وقد بني المسجد على شكل رواق جنوبي وآخر شمالي تفصل بينهما ساحة مكشوفة، ويتصل الرواقان شرقاً وغرباً برواقين طويلين، ويتألف سطحه من مجموعة من القباب المتصلة، منها 6 قباب كبيرة قطر كل منها 12 متراً، و56 قبة صغيرة قطر كل منها 6 أمتار، وتستند القباب إلى أقواس تقف على أعمدة ضخمة داخل كل رواق، وكسيت أرض المسجد وساحته بالرخام العاكس للحرارة، وتظلل الساحة بمظلة آلية صنع قماشها من الألياف الزجاجية تطوى وتنشر حسب الحاجة.
وقد بلغت مساحة المصلى وحده 5035 متراً مربعاً، وبلغت المساحة التي يشغلها مبنى المسجد مع مرافق الخدمة التابعة له 13500 متر مربع، في حين كانت مساحته قبل هذه التوسعة 1600 متر مربع فقط، كما ألحق بالمسجد مكتبة ومنطقة تسويق لخدمة الزائرين.
مزارع النخيل
وقرية قباء غنية بالماء العذب ومزارع النخيل والحمضيات والعنب والفواكه والخضار ومن ماء هذه القرية تزود المدينة بالماء وماؤها أعذب وأحلى مياه المدينة على الإطلاق والهواء في القرية لطيف نقي وفي شدة الصيف يشعر الإنسان عندما يصل لقباء أنه انتقل من جو حار إلى جو لطيف رطب معتدل.
والزائر يستطيع أن يصل إلى مسجد قباء من المناخة يتجه أولاً جنوباً تاركاً مسجد المصلى (الغمامة) يساره إلى كوبري المدرج ثم يتجه جنوباً مرة أخرى جاعلاً درابزين الكوبري على يساره ويقصد شارع قباء الجديد جاعلاً الحديقة العامة في يساره فيصل في نهايته إلى مسجد قباء والمساحة نحو ثلاثة كيلو مترات من المدينة وفي العودة يعود من الطريق المستقيم.
وقد جرت عادة القادمين للمدينة من حجاج وغيرهم أن يزوروا هذا المسجد وقلما تخلف أحد عنها.