"الفتوى".. من القضايا الهامة للأمة الإسلامية، وصلاح الفتوى إصلاح للمجتمع، ومن الخطأ أن يتسلم الفتوى غير المؤهل لها، خاصة أن بعض الفضائيات بدأت بجلب دعاة غير مؤهلين لإفتاء المشاهدين فيزينون لهم الباطل على أنه الحق.
"عكاظ" تستعرض في عدة حلقات أهمية "الفتوى" ومنزلتها من خلال أحاديث لعدد من مفتي وعلماء الأمة الذين يتحدثون عن هذه القضية الهامة في حياة الأمة والمجتمع المسلم.
في آخر أقوال الدكتور عبدالله بن بيه حول القضية التي نطرحها "الفتوى الآليات والضوابط"، يطالب الفقهاء المتأخرين بدراسة نماذج من فتاوى المتقدمين للتعرف على الأسس والضوابط التي أقام عليها المفتون أحكامهم وفتاواهم على مر العصور، والاستفادة من الفتاوى القديمة في القضايا المعاصرة، يتطرق إلى "النوازل" ثم يعرض بعض المسائل في ذلك. وكان الشيخ ابن بيه قد تحدث أمس عن مصادر الفتوى الأربعة، واختلاف العلماء في إصدار الفتاوى، والتفريق بين الظاهر والتأويل، كما أنه تحدث في الحلقات السابقة عن الآداب التي لا بد أن يتحلى بها المفتي عند إصدار الفتوى، وعن مصطلح "المفتي المستبصر"، وخطورة من يتجرأ على إصدار الفتاوى من غير علم أو وعي أو حكمة، وحكم من أتلف شيئاً بفتوى أصدرها، وعن "صناعة الفتوى" ومفهومها والرد على اعتراض البعض على هذا المفهوم.
كيف يستفيد المتأخرون من فتاوى المتقدمين في القضايا المعاصرة؟
يمكن ذلك من وجهين: أولا: دراسة نماذج من فتاواهم للتعرف على القواعد والضوابط والأسس التي أقام عليها المفتون أحكامهم وفتاواهم في مختلف العصور، وهي قواعد تنير دروب تطبيق النصوص على الوقائع المتجددة، فقد كانت القواعد والمبادئ العامة خير معين على مقارعة صعاب النوازل وتقويم اعوجاج ملتويات المسائل. وهذه القواعد تتعلق برفع الحرج: المشقة تجلب التيسير، والأمر إذا ضاق اتسع، وجلب المصالح ودرء المفاسد، ونفي الضرر وارتكاب أخف الضررين، والنظر في المآلات، والعبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وسد الذرائع وتحكيم العرف، وتحقيق المناط والإذن في العقود وفي مدونات الفتاوى تطبيق حي للقواعد والضوابط على الواقعات نقتطف منه بعض الأمثلة. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الأصل في العقود والشروط الجواز والصحة ولا يحرم ولا يبطل إلاّ ما دلَّ الشرع على تحريمه نصاً أو قياساً. وقد قال الشاطبي: إن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يدل دليل على خلافه. وسئل الشاطبي رحمه الله عن الاشتراك في الألبان وخلطها لإخراج الزبد والجبن فتختلف النسبة ويجهل التساوي، فقال إنه لا يعرف فيه نصاً بعينه ولكنه أجازه لقوله تعالى: «وإن يخالطوهم فإخوانكم» وذلك في شأن الأيتام واعتبر هذا النوع من الشركة من المخالطة رفعاً للحرج و اغتفاراً للغرر اليسير والربا اليسير قائلاً: وله نظائر في الشرع كبيع العارية بخرصها تمراً أو رد القيراط على الدرهم في البيع". إنها أمثلة لتطبيق قاعدة رفع الحرج والتخفيف فيما يصلح الناس في مقابل المزابنة المحرمة بالنص وقد ذكر ذلك في مقابل قاعدة الشك في التماثل كتحقق التفاضل .
ثانياً: الاستفادة من الفتاوى القديمة في القضايا المعاصرة وذلك بالبحث عن بعض النوازل التي تشبه القضايا المعاصرة في وجه من الوجوه وصورة من الصور فيطبق عليها أو يستأنس بها لإيجاد حل للقضية المعاصرة.
ومن الواضح أن كل زمان يطرح قضاياه ونوازله وبخاصة في زماننا الذي أمحت فيه الحدود وزالت فيه الحواجز، وغزت العالم الإسلامي في عقر داره أعراف العالم الآخر ونظمه وقوانينه والمبادلات على أسس لا توافق في أحايين كثيرة الأسس الفقهية المعروفة. بيد أن الأمر ازداد تعقيداً بظهور المخترعات العلمية الحديثة التي قطرت معها قطاراً من المسائل نشأت عن الحاجات التي أوجدتها لدى المجتمع كتلك المتعلقة بالطب من زراعة الأعضاء ونقلها، إلى الهندسة الوراثية. ولهذا فإن الفتاوى والنوازل القديمة قد لا تجدي فتيلاً في حل المسائل المعاصرة التي يمكن أن تحل من خلال القواعد كما أسلفنا، ومع ذلك فإنه بإمعان النظر في كتب الفتاوى والعمل يستطيع المتوسم أن يعثر على فروع ومسائل تشبه تلك التي تطرحها المعاملات المعاصرة.
وماذا يفعل المفتي عند النوازل؟
لا بد من التنبيه على أن دلالتها عليها قد لا تكون دلالة مطابقة، ومفهومها قد لا يكون مفهوم موافقة، بل إنها تدل عليها دلالة تضمن أو التزام بوجه من الوجوه وشكل من الأشكال تنبئ عما وراء الأكمة بدون غوص في مضامينها أو تعمق في محتواها غير ملتزم بترجيح وجه من أوجه الخلاف، إذ أن المقصود إثارة الموضوع ليعلم أن له شواهد في النوازل تبيحه أم تحرّمه أو تحكي الخلاف فيه وهو أمر سيتيح للفقيه عندما يعالج أياً من هذه النوازل سنداً يستند إليه ليرجح من الخلاف على أساس من المرجحات ويكفيه منقبة لهذا الخلاف أنه يرفع عن الباحث إصر مخالفة الإجماع ويسلكه في مسلك الإتباع.
وما هي أمثلة ذلك؟
السلم المتوازي: من أسلم ذهباً إلى شخص في قمح وباع منه قمحاً بذهب إلى أجل. فأجاب الفقيه ابن الحاج: (إن ذلك جائز إذا كان في صفقتين ولا يجوز إذا كان في صفقة واحدة لأنه ذهب وطعام بذهب وطعام ) . المؤجر يأخذ الأجرة مقدماً لا يجب عليه دفع الزكاة إلاّ لما مضى من الزمان.
مسألة التسالف بين الأحباس: وقول ابن حبيب في الواضحة إن الأموال المرصودة في وجه من أوجه البر يمكن أن تُصرف في أوجه أخرى من أوجهها، وهذا يوسع على هيئات الإغاثة لتبادل الاقتراض ومساعدة بعضها البعض.
مسألة التضخم: سُئل فقهاء طليطلة عمن أوصى لرجل بسكة فحالت السكة إلى سكة أخرى فشوور فيها فقهاء قرطبة فأجابوا بوجوب الوصية في السكة الجارية يوم مات الموصي لا يوم أوصى وأقاموها من مسألة الخيش والمسح والخريطة. وذكر كلام المتيطي لو اكترى داراً لكل شهر بكذا فاستحالت السكة وتمادى المكتري في السكنى حتى مضت مدة وكانت السكة التي استحالت إليها أحسن من القديمة التي عقد عليها الكراء، فهل يجب للمكري على المكتري من القديمة أو من الحديثة ؟ فقال ابن سهل: له من السكة القديمة التي عقد عليها الكراء، كما لاحجة لبعض على بعض بغلاء أو رخص لا يحتمل النظر غير هذا ولا يجوز على الأصول سواه.
وفي قياس التضخم على الجائحة سئل شيخ الإسلام ابن تيمية: عمن استأجر أرضاً فلم يأتها المطر المعتاد فتلف الزرع هل توضع الجائحة؟ فأجاب: أما إذا استأجر أرضاً للزرع فلم يأت المطر المعتاد فله الفسخ باتفاق العلماء، بل إن تعطلت بطلب الإجارة بلا فسخ في الأظهر. وأما إذا نقصت المنفعة فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقصت المنفعة. نصَّ على هذا الإمام أحمد بن حنبل وغيره، فيُقال: كم أجرة الأرض مع حصول الماء المعتاد؟ فيقال: ألف درهم ويُقال: كم أجرتها مع نقص المطر هذا النقص؟ فيُقال: خمسمئة درهم، فيحط عن المستأجر نصف الأجرة المسماة فإنه تلف بعض المنفعة المستحقة بالعقد قبل التمكن من استيفائها فهو كما لو تلف بعض المبيع قبل التمكن من قبضه.
وكذلك لو أصاب الأرض جراد أو نار أو جائحة أتلف بعض الزرع فإنه ينقص من الأجرة بقدر ما نقص من المنفعة.
مسألة تغيّر السكة أو انقطاعها:
وأفتى ابن عتاب بقرطبة حين انقطعت سكة ابن جهور بدخول ابن عباد بسكة أخرى أن يرجع في ذلك إلى قيمة السكة المقطوعة من الذهب ويأخذ صاحب الدين القيمة من الذهب، وكان أبو محمد بن دحون رحمه الله يفتي بالقيمة يوم القرض ويقول : إنما أعطاها على العوض. كان أبو عمر بن عبد البر يفتي فيمن اكترى داراً أو حماماً بدراهم موصوفة جارية بين الناس حين العقد ، ثم غيرت دراهم ذلك إلى أفضل منها أنه يلزم المكتري النقد الثاني الجاري حين القضاء دون النقد الجاري حين العقد وخالفه الباجي . وقد نزل ببلنسية حين غيرت دراهم السكة التي كانت ضربها . وقال أبو حفص العطار من لك عليه دراهم وقطعت ولم توجد فقيمتها من الذهب بما تساوي يوم الحكم. وفي كتاب ابن سحنون إذا أسقطت تتبعه بقيمة السلعة يوم قبضت لأن الفلوس لا ثمن لها.
مسألة الإيجار يجتمع مع البيع فيشتري المستأجر الدار المستأجرة: في المعيار: وفي مسألة المكتري يبتاع الدار المكتراه ويشترط أن الكراء عنه محطوط. سُئل عنها فقهاء قرطبة: أجاب عبدالله بن موسى الشارقي بعدم الجواز لأنه ابتاع الدار والكراء الذي عليه بالثمن الذي دفع فصار ذهباً وعرضاً بذهب وعرض، وإن باعه من غير المكتري بعد عقد الكراء فإن لم يعلم الأجنبي فهو عيب إن شاء رد وإن شاء أمسك وإن علم به فلا رد له ولاحق له في الكراء مع البائع المكري إلاّ أن يشترطه. وفصل تفصيلاً فيما يتعلق بالإيجار إن كان ذهباً أو ورقاً:
ابن الحاج إن باع مع الكراء عرضاً والثمن عيناً جاز للمشتري أخذه ولو باعها من المكتري ، فقال الشيخ أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو عمران الفاسي وأبو عمر بن عبد البر في الكافي إن ذلك جائز وهو فسخ لما تقدم من الكراء في قول أبي بكر وفسخ لما بقي من المدة في قول أبي عمران . وقال في جواب ابن دحون والشارقي وابن الشقاق المتقدم الذكر وجواب هؤلاء لا يدل على أن الكراء يفسخه الشراء .
وفي فتاوى المعيار بيع الدار على أن يقبضها مشتريها بعد عشر سنين على مذهب ابن شهاب جائز. وأما في القاعة فيجوز إلى عشر سنين أو أكثر لأنها مأمونة وقد مر العمل هنا بجواز ذلك إلى عشرين وثلاثين سنة لأمنها . وأما قسم القاعات بين مالكيها وتبقى كل قاعة تحت يد مكتريها إلى انقضاء المدة فيجوز ذلك كما يجوز بيعها على أن لا يقبضها المشتري إلاّ إلى أمد بعيد وقد سبق بيان ذلك (هذا باختصار وحذف من أجوبة أبي الفضل راشد بن أبي راشد الوليدي).
القضايا المعاصرة تستفيد من الفتاوى القديمة
قواعد «رفع الحرج» تقارع «النوازل»
10 سبتمبر 2008 - 20:03
|
آخر تحديث 10 سبتمبر 2008 - 20:03
تابع قناة عكاظ على الواتساب
طالب بن محفوظ ـ جدة 10