فجرت لجنة التثمين في المدينة المنورة أزمة بين سكان «حي السحمان» الواقع ضمن نطاق الدائري المتوسط المحيط بالمنطقة المركزية عندما احتسبت قيمة المتر المربع الواحد بسعر يتراوح بين 1500 ريال و 2500 ريال, رغم أن المسافة التي تبعده عن الحرم النبوي الشريف لا تتجاوز 900 متر إلى جانب أن معظم المواقع المستهدفة لا تزيد مساحتها عن 240 مترا مربعا. يأتي ذلك في إطار مشروع استكمال الخط الدائري الذي توقف امتداده في جهتين أحدها أمام حي السحمان، واستغرب أهالي الحي آلية التقييم خاصة أن سعر المتر قدرته الدولة في عام 1397هـ بثلاثة آلاف ريال, وقالوا: كيف يمكن لسعر عقار أن ينخفض خلال 33 سنة بنسبة 50% رغم تطور الاقتصاد في المنطقة, وتوسع الاستثمارات بحسب الإحصاءات الرسمية المعلنة. وطالب الأهالي بضرورة احتساب تعويض خاص عن حرمانهم من ميزة القرب من الحرم باعتبار أن الدولة خير من يقدر قدسية الحرمين الشريفين, ومدى ارتباط المسلمين بها روحيا ودينيا. وكان صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن ماجد أمير منطقة المدينة المنورة قد وجه في خطاب بعث به إلى الجهات الحكومية برقم 31296/2, وتاريخ 14/6/1429هـ بضرورة تغيير ممثليهم في لجنة التثمين وبدأ بممثل الإمارة لكن بقية الجهات أبقت على ممثليها. ووصف رئيس لجنة التثمين العقاري في غرفة جدة عبد الله الأحمري تجديد لجنة أعضاء التثمين العقاري بالضروري, واعتبر الإبقاء على سرية أسمائهم ضمانا لإبراء الذمة. المواطنون في حي السحمان ناشدوا أمير المنطقة بالتدخل لإنقاذهم مما أسموه بالأسعار غير المنصفة, وأشاروا إلى رغبتهم في إعادة التقييم من خلال لجنة أخرى تأخذ في الاعتبار معايير التثمين المعتبرة والثابتة.
معايير التثمين ثابتة
وحول تفاصيل معايير التثمين وكيفية إجراءاتها قال الأحمري: إن التثمين له عدة معايير تعتمد على الموقع, والشارع, وامتداد العقار ووقوعه على الشارع, ومدى وضوحه كعنوان معروف يسهل الوصول إليه, ومدى قربه من شارع محوري, وحيوية موقعه, ومدى الرغبة في السكن بداخله, وقربه من الخدمات, ومسافته عن مركزية المدينة, وتأثير أشعة الشمس والبيئة عليها.
وأضاف : مثلا أشعة الشمس تبدأ في تمام الساعة 11 قبل الظهر في الاتجاه نحو الجانب الغربي من الموقع مما يعني أن ارتفاع الحرارة, ووصولها إلى أعلى درجة سيكون مركزا على هذا الجانب فيؤدي ذلك إلى استهلاك طاقة تبريد عالية أكثر من الجانب الشرقي لينجم عن ذلك ارتفاع في أسعار فواتير الكهرباء.
وزاد: هناك معيار مهم وحتمي لابد من تضمينه ويتمثل في الجدوى الاقتصادية, والفائدة منه من ناحيتي القيمة, والقيمة المضافة, ومدى تمتع الموقع بالحماية من تذبذبات السوق.
وأردف: لتبسيط هذه المعايير يمكن القول بأن الموقع إذا اكتسى بالعمران وأحيط بامتدادات عمرانية من مختلف الجهات صار أصلا ثابتا محميا من الانخفاضات وصار الدخل فيه قيمة مضافة, ويستمد قوة قيمته من مرور السنين عليه أو ما يعرف بمصطلح التقادم الزمني.
وقال: في ما يتعلق بالجدوى الاقتصادية فإنه من الضروري الأخذ في الاعتبار الانعكاسات التي سترتد على الموقع بعد النزع من أجل تنفيذ مشروع للمنفعة العامة. وحول أسعار الدائري الأول المحيط بالمنطقة المركزية في مكة المكرمة قال: إن سعر الموقع لا يقل بأي حال من الأحوال عن 10 آلاف ريال, ويتجاوز حاجز السبعين ألف ريال يتحكم في ذلك الموقع, والشارع, والقرب من المنطقة المركزية. الأحمري نصح كل من يشعر بأن الأسعار لم تنصفه أن يرفع شكوى رسمية إلى الجهات المختصة ليطالبوا بتشكيل لجان أخرى تقدر مواقعهم العقارية من جديد, وقال: حكومة خادم الحرمين الشريفين حريصة على تقديم حقوق الناس كاملة ووافية. ورفض مبدأ الإبقاء على نفس أعضاء اللجنة المثمنة فترة طويلة, وقال: لجنة التثمين تتكون من خمس جهات حكومية, وعضوين خبيرين ترشحهما عادة الغرفة التجارية لكن من غير المفيد استمرار لجنة التثمين فترة طويلة بنفس الأسماء بل يفترض أن يكون هناك تجديد مستمر, وأن ترشح أسماء مختلفة لتقييم أي موقع فترسل الجهة الحكومية مندوبها بسرية دون الكشف عنه ليرفع تقريره ثم تستكمل بقية الإجراءات وذلك من أجل براءة الذمة. وحول إمكانية اختلاف معايير التثمين من منطقة لأخرى, قال: المعايير ثابتة ومنهجيتها واضحة ومعروفة, ولا يختلف عليها أحد.
أرامل وأيتام
وكشف صالح الحربي أن معظم البيوت المدرجة ضمن المشروع عبارة عن بيوت شعبية بسيطة وضيقة يقطنها أرامل, وأيتام, ومكفوفون, وقال: التثمين الذي جرى اعتماده من اللجنة الحالية سيضع سكان تلك المنازل في أزمة حقيقية, وسيكونون خلال وقت قريب عبئا إضافيا على الدولة لأن التعويضات التي سيحصلون عليها لا تكفي لإيجاد سكن لهم.
وتابع يقول: 75% من المنازل المشمولة بالنزع تتراوح ما بين 140 – 240 مترا مربعا, والـ 25% الباقية تتفاوت في النسبة لكنها لا تزيد عن 600 متر مربع.
وحول معاناة بعض سكان الحي وتعرضهم لمطالبات بعض الجهات بالتوقيع على أوراق المسح واعتماد القياسات الموجودة فيه رغم أن المساحين لم يحضروا للموقع, قال: سمعت عن حدوث ذلك ولكن سواء حضروا أم لم يحضروا فالنتيجة تظل كامنة في أن التعويض قليل.
الحربي ختم بقوله: أناشد صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن ماجد بإنصافنا ومساعدتنا على أخذ حقوقنا كاملة فلا معين لنا بعد الله إلا هو.
عشوائية التقدير
وطالب نهار السحيمي بضرورة وضع أسس عقارية تستند على المنهجية والعلمية لا على التقديرات التخمينية على حد تعبيره, وقال: يفترض أن تكون الأسعار مبنية على دراسة استراتيجية, ونمطية تستوفي كافة الجوانب الاقتصادية للموقع لأن المدينة تستمد أهميتها وخصوصيتها من الحرم, فإذا كان دخل المستثمرين في مجال الهدايا فقط يصل إلى ملياري ريال بحسب ما أعلنته غرفة المدينة في دراسة لها أكدت فيها أن الاستثمار ناجح في المنطقة بسبب تزايد الحجاج خاصة أن الفنادق والشقق السكنية المفروشة في المنطقتين المركزيتين الأولى والثانية تصل إلى نسبة إشغال كامل طبقا للإحصاءات الرسمية الصادرة عن هيئة السياحة.
واستطرد : لو أردنا تحليل الوضع فإن النتيجة ستكشف أن سكان الحي سكنوا بطريقة نظامية بحتة, فقد حصلوا على رخصة من البلدية لإنشاء منازلهم, وقبل ذلك جميع أراضيهم تحمل صكوكا شرعية واستكملوا الإجراءات المتبعة لدى الجهات المعنية لبناء تلك المنازل, وبالتالي فإن النظام هو من وضعهم في هذا المكان, أما مشروع الطريق الذي سينفذ فقد سمعنا عنه منذ سنوات طويلة, وخلال تلك السنوات لم تتوقف أمانة المنطقة عن صرف رخص البناء, ليأتوا بعد ذلك قائلين هذا حي عشوائي, فكيف يكون عشوائيا والأمانة هي من سمحت بإقامته على هذا النحو؟
وأردف: ثانيا الطريق الذي سينفذ هو في الأساس من أجل خدمة الحرم النبوي الشريف, وهذا يعطي أهل الحي كامل الحق في الحصول على قيمة التعويض الملائمة باعتبار أن الحي يقع ضمن المركزية الثانية, ثالثا المنطقة بعد تنفيذ المشروع ستقفز أسعارها إلى أضعاف مضاعفة وهذا أمر معروف لدى خبراء العقار, وبالتالي سيكون من الغبن التام أن يجد من أخذ التعويض أن موقعه الذي بيع متره المربع بقيمة 1500 ريال سيصل إلى مستوى لا يقل عن 15 ألف ريال.
السحيمي أوضح أن أعضاء اللجنة يقولون إن قيمة الحديد منخفضة لذلك ستكون الأسعار منخفضة, فكيف يوفقون بين ما يقولون وبين ما يحدث على أرض الواقع فقبل 26 عاما كانت قيمة الاختزال للمتر الواحد في حي السحمان تتراوح ما بين 3 آلاف ريال إلى 5 آلاف ريال والحديد حينها كان لا يتجاوز سعر الطن 700 ريال على أعلى تقدير, وبحساب النسبة والتناسب يتضح أن قيمة الحديد في الوقت الراهن تصل إلى 1400 ريال تقريبا أي أن الزيادة بلغت 100% مما يجعلنا نقف على أسعار للمتر الواحد تتراوح ما بين 6 آلاف ريال إلى 10 آلاف ريال وإلا فإن حجة لجنة التثمين في مسألة الإقران بأسعار الحديد واهية لكنهم يقولون ذلك لأن الناس هنا بسطاء ولا يدققون في التفاصيل.
السحيمي أكد سماعه لأحاديث من بعض كبار السن تشير إلى بحثهم عن منازل في منطقة الصويدرة التي تبعد عن حدود المدينة المنورة مسافة تصل إلى 80 كلم تقريبا, بداعي أن التعويض الذي سيحصلون عليه لا يساعدهم على إيجاد موقع ملائم بالقرب من حدود الحرم وليس في داخلها.
الخيام مصيرنا
وحول تفاصيل المعاناة التي يعيشها أهل الحي أوضح فهد حضيض أن أسعار قطع الأراضي القريبة من الحرم مرتفعة ولا يقل سعر المتر فيها عن سبعة آلاف ريال, وقال: إن ارتباطنا بالمكان متجذر ويعود إلى سنوات طويلة ماضية, فوالدنا يرحمه الله حين سمع بتنفيذ المشروع قبل عدة سنوات دعا المولى عز وجل أن يموت قبل أن يخرج من المنزل والحمد لله أن أمنيته تحققت.
وأضاف: إننا نجد في كل ركن في المنزل ذكريات أسرية لا يمكن تثمينها بمبلغ مالي فما بالك إذا كان ذلك التثمين هو في الأصل لا يرتقي إلى درجة المعقول, رغم أن الحي مشهور باعتباره مواقف لسيارات مرتادي الحرم خاصة في شهر رمضان وفي صلاة العيد تغلق السيارات الشوارع المحيطة بنا فنضطر إلى السير نحو الحرم نظرا لقربه منا.
وزاد: منزلنا يسكن فيه حاليا ورثة المرحوم وهم عبارة عن أربع عوائل تتقاسم جنبات البيت والذين لم يتسع لهم المجال سكنوا في الخارج رغم أن لهم الحق في السكن معنا لكن المساحة لا تكفينا كلنا والمؤسف أن قيمة التعويض التي سنحصل عليها لا تؤمن لنا سكنا كريما محترما نجتمع فيه, وإذا ما رغبنا في تقاسمه وفق الشريعة الإسلامية فإن المخصص الذي سيحصل عليه كل وريث لا يكفي إيجار شقة لمدة سنتين متواليتين.
حضيض ناشد الأمير عبد العزيز بن ماجد بالنظر في أمرهم والموافقة على تشكيل لجنة أخرى لإعادة التقييم وحمايتهم من التشرد, وقال: إذا جاز لي التعبير فإن التعويض الذي سنحصل عليه لا يساعدنا إلا على السكن في الخيام فقط باعتبار أن كامل المبلغ دفعناه للحصول على أرض نملكها.
نحن في ذمتهم
وفي مكان ليس ببعيد, كان هناك كفيف طاعن في السن يدعى رشيد نويفع يجر خطواته نحو منزله, ويساعده في السير أحد أبنائه وحين سئل عن رأيه في مسألة الانتقال من موقعه بالقيمة التي حددت له قال: إنني استغرب من هذا التثمين العجيب ففي عام 1397هـ وعندما بنيت هذا المنزل الذي أسكن فيه تم اختزال جانب منه لصالح مشروع لها وكانت القيمة التي عوضوني عنها في تلك الفترة عن المتر الواحد تصل إلى 3 آلاف ريال فكيف تنخفض القيمة 50% وتصل إلى 1500 ريال . وأردف: تحدثت مع عيد الرحيلي أحد أعضاء اللجنة وأخبرته أنه من غير المعقول أن تنزل قيمة التعويض 50%, وأن الحكومة داعمة للمواطنين وحاولت إقناعه برفع قيمة التعويض وعندما يئست قلت له إنني أضع نفسي وعائلتي في ذمتكم ثم مضيت, وأنا كما تراني كفيف لا أبصر, وإنني متأكد أن الجهات المختصة لا تسمح بهذا التخفيض .
رشيد طالب بالحصول على تعويض خاص يضاف إلى القيمة الفعلية, وقال: إن وجودنا بجوار الحرم النبوي وسماعنا للأذان عند كل فريضة جعلنا متعلقين بهذا المكان.
أسعار التثمين مفاجئة
وحول الأسعار التي يطالب بها أهل الحي قال أحمد شعوي: السعر العادل في الموقع لا يقل بأي حال من الأحوال عن 4 آلاف ريال فمن غير المعقول أن تباع الأراضي والقطع المجاورة لنا من جميع الاتجاهات بأسعار تتراوح ما بين 5 آلاف ريال إلى 8 آلاف ريال للمتر المربع الواحد ونحن الذين نتعرض لعملية نزع الأملاك نستحق الحصول على هذه القيمة مضافا إليها قيمة النزع فمعظم أهل الحي لا يرغبون في المغادرة على الإطلاق نتيجة ارتباطهم الاجتماعي والأسري فيه.
وأضاف: هناك بعض أصحاب العقار الذين نعرفهم من خارج المدينة المنورة استغربوا التقديرات فور سماعهم لها.
إسقاط 18 ألف ريال
وبين سعد بن سفر أن المدينة المنورة كموقع تعتبر هدفا سكنيا لجميع المسلمين, وقال: إن قدسية المدينة تجعل الناس يتمنون السكن فيها لا الخروج منها, لكن حجم التعويض الذي سنحصل عليه سيقودنا حتما إلى تركها رغما عنا.
وأضاف: بلادنا ولله الحمد تتمتع بخير وفير, وخيرها يصل جميع بلاد المسلمين بل في شتى أنحاء العالم ومع ذلك يطلع علينا أعضاء لجنة التثمين بهذه الأسعار التي لا يقبلها عقل ولا منطق, فمثلا منزلي مساحته 140مترا مربعا فإذا كان سعر المتر يساوي 1500 ريال فإن التعويض الذي سنحصل عليه هو 210 ألف ريال فقط لا غير رغم أن المسافة التي بيننا وبين الحرم حوالى 850 مترا.
ومضى يقول: نحن عائلتان في هذا البيت ولدينا أخت أيضا وبنك التسليف العقاري له ما يقارب 200 ألف ريال فإذا كان التعويض 210 آلاف ريال فإن البنك سيحصل على ما تبقى له فورا أي أن المتبقي سيصبح 10 آلاف ريال فقط لا غير فكيف سنتوزعها كورثة للمنزل وإذا ما اتفقنا على الإبقاء عليها مجتمعة فماذا سينفعنا به هذا المبلغ؟, وهذه المشكلة ليست معنا فقط بل هناك من لديه نفس الوضع. سعد أكد أن معظم سكان الحي يؤدون فرائضهم في الحرم النبوي نتيجة قرب المسافة, وقال: من يتمتع بميزة إمكانية أداء الصلاة في الحرم فمن الصعب أن يقبل بغيرها, فإذا كانت لجنة التثمين ترى أن تقييمها عادل فنحن نرغب في أرض بديلة في نفس الحي لنضمن القرب من الحرم حتى لا نفقد هذه النعمة التي أكرمنا بها الله سبحانه وتعالى, إن المبلغ الذي وضعته لجنة التثمين لا يساعدنا حتى في الانتقال إلى خارج المدينة مما يجعل معظم سكان الحي المعنيين بالإزالة أمام عدة أزمات منها المواصلات نتيجة ضعف دخل الناس هنا وبساطة رواتبهم الشهرية تكاد لا تكفي معيشتهم اليومية.
وأضاف : نطالب بلجنة تثمين متمرسة في تحديد أسعار العقار من مبدأ لا ضرر ولا ضرار, سعر المتر المربع في باب التمار قدرته لجنة التثمين بمبلغ وقدره 20 ألف ريال قبل أن يرفع أهل الحي تظلمهم إلى ديوان المظالم وينتزعوا أحكاما بتصحيح السعر إلى 40 ألف ريال, ونحن الذي يقع حينا على بعد 600 متر فقط تسعر نفس اللجنة الموقع بـ 1500 ريال, كيف يمكن أن نقبل أن لجنة التثمين ألغت ما يزيد عن 18 ألف ريال رغم أن المسافة الفاصلة بين الموقعين قليلة إنه أمر محير.
أمير المدينة يطلب تغيير أعضاء اللجنة.. والجهات الحكومية تبقي على ممثليها
تثمين حي السحمان يهبط بالأسعار %50 عن تقديرات الدولة 1397 هـ
9 فبراير 2009 - 20:20
|
آخر تحديث 9 فبراير 2009 - 20:20
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عبد الرحيم بن حسن – المدينة المنورة