كلما وقعت عيني على عينه تبسم وحياني ورددت تحيته بمثلها وابتسامته بأخرى مشابهة، وتكرر الأمر مع أني لا أعرفه، ولكنني شعرت بأن أمرا ما يدور بنفسه، جاء الفرج ودخل صديقي صالة السفر وهممت بدوري بمغادرة المطار فلحق بي ذلك الأخ المبتسم، وسلم بحرارة، وقرب فمه من أذني وهمس فيها بعبارات لم أتبين مغزاها لشدة ما كان صوته خافتا، رفعت رأسي مؤكدا له أنني لم أفهم ما قال: فعاد ليهمس في أذني وبصوت خافت أكثر من المرة الأولى، ولم أتبين ما يريد إلا بصعوبة، وفهمت أن ابنته البالغة من العمر 12 سنة تعرضت لتحرش من جاره مالك العمارة، والمؤسف أن هذا الجار يعمل في حقل التربية والتعليم مدرسا، أدركت من شدة حرصه على خفض صوته وهو يتحدث مقدار خوفه من كشف سر ما حدث، وكانت نصيحتي الأولى له ترك المنزل والبحث عن منزل بديل، لأنه مع جار لا تؤمن بوائقه، أما عن الآثار النفسية للحادثة فكان لي معه حديث آخر، تركته وخرجت، وتذكرت أن رجلا سئل عن الأئمة الذين يقتدى بهم، فذكر أبا بكر وعمر، حتى انتهى إلى أبي حمزة السكري، وأبو حمزة يومئذ حي. ويقول معاذ بن خالد أنه سمع أبا حمزة السكري يقول: ما شبعت منذ ثلاثين سنة، إلا أن يكون لي ضيف. وكان لأبي حمزة جار أراد أن يبيع داره فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدار، وبألفين جوار أبي حمزة. فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجه إليه بأربعة آلاف دينار، وقال: لا تبع دارك. وقد مات أبو حمزة سنة سبع وستين ومائة للهجرة، والقصة نفسها تقريبا تتكرر مع جار لأبي دلف في بغداد وهو رجل لزمه دين كبير فادح أقض مضجعه وأثقل كاهله وأشاح النوم عن عينيه، فاضطر إلى عرض داره للبيع، فساومه المشترون بها فطلب ألفي دينار ثمنا لتلك الدار، فقالوا له: إن دارك لا تساوي أكثر من خمسمائة دينار، قال: هذا صحيح ولكن جواري من أبي دلف يساوي ألف وخمسمائة دينار فيصبح مجموع ما تساويه داري ألفا دينار. فبلغ أبا دلف هذا الحوار، فأمر بقضاء دينه وقال له: لا تبع دارك ولا تنتقل من جوارنا، وكان في الحي نفسه ساكن آخر حاله عكس حال جار أبي دلف وقد أنشد يقول:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلي
ولم يعلموا جاراً هناك ينغص
فقلت لـهم: كفوا الملام فإنما
بجيرانها تغلو الديار وترخص
ويبدو أن قائل هذه الأبيات عانى ما عاناه محدثنا الذي تحرش جاره بابنته، ويبقى السؤال المهم: كيف يمكن أن تعالج مشاكل أمثال هؤلاء الجيران في عصر لم تعد المدن فيه كما كانت في السابق ولم تعد الأحياء كما كانت هي الأخرى بل إن الكثير من الجيران في العمائر حاليا لا يعرفون بعضهم البعض، فهل من سبيل لإعادة اللحمة إلى الجيران، وإبعاد الحذر والحيطة والخوف من بعضهم البعض؟ المسألة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود ذكر قصص محزنة ومؤلمة لغدر بعض الجيران لبعضهم البعض، ولا ينبغي أن تقف عند حدود التغني بنمط الجيران في السابق حين كانت أم محمد تنادي جارتها أم سعيد من الروشان لتطلب منها بعضا من الملح أو البصل أو الخبز أو سواها من حاجات قد لا تتوفر في لحظة ما ولا تجد أحد أبنائها ممن يمكن أن يسعفها لشراء ما تحتاجه من الدكان، وتبادل السلع عبر الرواشين في الحجاز كان أمرا معتادا، ولكن هل التغني بقصص أبي دلف أو قصص الرواشين أو قصة أبي حمزة السكري تغني عن علاج مشاكل سوء بعض الجيران في عصرنا الحاضر؟ أم أن المسألة تتطلب التفكير بتفعيل مراكز الأحياء التي باتت تمثل إحدى مؤسسات المجتمع المدني الهامة؟
للتواصل ارسل رسالة نصية sms الى الرقم 88548 الاتصالات أو الرقم 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 146 مسافة ثم الرسالة
او عبر الفاكس رقم: 6327389 الهاتف: 2841552
الإيميل: Dr.Maisarah@yahoo.com
أخبار ذات صلة


