على خلاف الرحالة السابقين، الذين ارتكزوا على القلم لتدوين مشاهداتهم، كانت عدسة الكاميرا هي المرآة التي يوثق من خلالها الرحالة الإنجليزي مبارك بن لندن حياة الإنسان وثقافته في الربع الخالي، وبقية صحراء الجزيرة العربية، ومناطق الخليج التي مر بها. ولم تقتصر حصيلة الرحالة الإنجليزي على ثلاثة آلاف صورة، وإنما خرج أيضا بانطباعات عجزت عدسة الكاميرا عن التعبير عنها، تتصل بتقاليد وأخلاق وثقافة الكرم والتلاحم التي يتسم بها أبناء المنطقة. واضطر ابن لندن إلى تدوين هذه الصفات كتابة قائلا: «أمانة بدو الربع الخالي تفوق المصارف»، وهو ما سنتطرق إليه خلال هذه الحلقة التي تسلط الضوء على بقية مرافقيه في مغامرة الصحراء، وكيف تحدثوا عن علاقتهم بمبارك بن لندن:
حظي مرافقو مبارك بن لندن في رحلته الأولى باهتمام الشاعرة هويدا عطا في كتابها «عابرو الربع الخالي.. مرافقو مبارك بن لندن يتكلمون»، حيث حاورت الرجال الأربعة الذين رافقوا الرحالة، وكانوا دليلته ومساعديه وحراسه في ذلك العبور، الذي أفلح رواده في قهر الصعاب، والانتصار على أخطر منطقة من «الرمال العربية»، كما سمى مبارك بن لندن كتابه «الغني الممتع»، الذي روى فيه يوميات تلك الرحلة، وملامح من علاقته اليومية بأولئك الفتيان الذين رافقوه، وكان لهم الفضل الأكبر في نجاح الرحلة. واستغرقت الرحلة خمس سنوات في حساب الرحالة، وسبع سنوات في حساب مرافقيه، الذين واجهوا فيها الموت قتلا وجوعا وتيها وظمأ.
ابن كبينة، ابن غبيشة، عمير بن عمر، ومحمد صالح بن كلوت هم الرجال الذين صاحبوا مبارك بن لندن وهو يقطع صحراء الربع الخالي حافيا، فيصور ما يحلو له من مناظرها، ويدون في كراسته مشاهداته وانطباعاته؛ لينشرها في كتابه «الرمال العربية». بينما بينت هويدا عطا شهادات مرافقيه، وكل شهادة من الكتاب تمثل فصلا، بدءا من سالم بن كبينة الذي جاءت شهادته بعنوان «عبر ابن لندن قلوبنا قبل الربع الخالي».
ويروي سالم بن كبينة (من قبيلة الرواشد) قائلا: كنا أربعة أشخاص نرافق مبارك بن لندن لمدة سبع سنوات في فترة الشتاء فقط، وعندما يحل فصل الشتاء في الإمارات كان يأتينا ابن لندن، ويبدأ رحلته من حيث انتهت، وفي الصيف يعود إلى بلاده، وكان عمري 13 عاما عندما اختارني لمرافقته في الرحلة، كنت أذهب معه أربع مرات إلى صحراء الربع الخالي، من الإمارات إلى عمان وبالعكس.
ويضيف ابن كبينة: رحلة ابن لندن ورفاقه دخلت التاريخ من أوسع أبوابه؛ لما لها من مكانة بين الاكتشافات الجغرافية في العالم. مشيرا إلى رحلته الأخطر تلك التي بدأت من حضرموت إلى السعودية ومنها إلى أبوظبي، وفيها تعرضنا لمخاطر شديدة، وصعوبات شتى في الحصول على الماء والطعام.
مغامرة الطائرة
وينتقل ابن غبيشة للحديث عن مغامرة الطائرة قائلا: ركبت الطائرة من صلالة إلى حضرموت، ومع أن مبارك طلب من بعض البدو أن يرافقوني من صلالة في الطائرة الا أنهم رفضوا أن يركبوها معي وخافوا، فلم يكن أحد من البدو قد ركبها من قبل، وكنت الوحيد الذي ركب الطائرة. وفي ذلك الوقت كانوا يعتقدون أن من يركب الطائرة ميت لا محالة. كما ذكر أن ابن لندن كان وحده من يحدد مسألة التصوير، وكان يختار المكان والوقت والجهة، وحقيقة لا أدري سبب اهتمامه بأماكن معينة دون غيرها، ونحن كنا نفعل ما يريده وفي أي مكان يعجبه.
أما المرافق عمير بن عمر فكان دوره مصلحا اجتماعيا، حيث رافق ابن لندن في كل رحلاته التي بدأها من صلالة إلى الرملة، ومن صلالة إلى حضرموت، ومن صلالة إلى المكلا، ومن حضرموت إلى أبوظبي. واستغرقت الرحلة الأخيرة 3 شهور و18 يوما، وكان عمير يبلغ من العمر حينها 17 عاما.
وعن رحلته مع ابن لندن قال: وهبت نفسي كدليل للرحالة الإنجليزي ابن لندن في رحلته لتلك الصحراء القاحلة، وأتذكر عندما توجهنا من حضرموت إلى حذر، فقد كان يرغب ابن لندن في زيارة «الجبل الأخضر» في عمان إضافة إلى أبوظبي والسعودية، ووقفنا معه ووافقنا على مرافقته دون خوف أو تردد.
أما الذي أنقذ ابن لندن من السجن فهو محمد بن صالح بن كلوت الرفيق الرابع لرحلة مبارك بن لندن، وهو من عائلة كبيرة وثرية في السعودية كما أنه، كما يقال، شيخ الرحلة وحلال المشاكل؛ لما له من علاقات بأبناء البادية. والده صالح بن كلوت وأخوه كان لهما مغامرة مع الرحالة الإنجليزي الأسبق (برترام توماس)، أما نصيبه مع مبارك بن لندن، وكان عمره حينها 40 عاما، فكان كالتالي:
أتذكر يوم جاءنا إلى ظفار، وعندما بدأنا في التحرك لعبور الربع الخالي في منطقة «منواخ» إلى ظفار، ومن ثم إلى المكلا، وحتى وصلنا أرض الصاعر في السعودية، ورافقنا صالح بن مسعد الحتيش الصيعري وصادر بن عجيان آل معروف الصيعري، وذهبا معنا حتى بئر الحسي.
الحرية والرفاهية
من جانبه، وصف مبارك بن لندن الصحراء وحياة بدو الربع الخالي ورحلته في كتابه الشهير «الرمال العربية»، والذي تحدث فيه عن كل ما واجهه في تنقلاته ورحلته أو مغامرته في الربع الخالي، وتطرق إلى طبيعة الصحراء، وكيف أن الحياة في الصحراء بعد سقوط المطر تتغير، ويعيش الناس أجمل أيامهم بعد حياة قاسية وجافة، ويقول: لا يوجد نظام للفصول، وإنما الحرارة وحدها هي التي تنبيء البدو عن مرور السنين على الصحراء؛ لأنه المكان الذي ولدوا فيه، وأن الحياه هي تلك التي عاش فيها أسلافهم، ويتحملون كل المشاق؛ لأنهم لا يعرفون سبيلا آخر، ولكنهم في المقابل يقدرون الحرية أكثر من تقديرهم للراحة والرفاهية.
أما عن مجتمعهم القبلي والأحكام والأعراف التي تديره، فيلخصها في أن البدو يعيشون في مجتمع قبلي، وكل شخص ينتمي إلى قبيلة، وكلما كان النسب أقرب قوي الولاء، وهذا الولاء هو المهيمن على المشاعر الشخصية إلا فيما ندر، فلا أمن للفرد في الصحراء خارج إطار قبيلته، وهذا يجعل القانون القبلي مبنيا على الرضا، وساريا للمفعول بين كل الأطياف في الصحراء. ولكن في حال عدم الرضى بهذا القانون يستطيع الفرد المعترض أن يترك قبيلته، ويعيش وحيدا، فليس هناك سلطة مركزية داخل القبيلة تستطيع أن تنفذ القرار.
أمانة البدو
وانبهر الرحالة الإنجليزي بأمانة بدو الربع الخالي، وعبر عن ذلك بقوله: كنت أضع النقود في أكياس من الخيش مربوطة بخيوط ثخينة، وكان الخرج مفكوكا، ومع أن رفاقي كانوا في فقر مدقع فإن النقود ظلت في آمان كما لو كانت مودعة في أحد المصارف، لقد أمضيت خمس سنوات مع البدو، ولم أفقد مليما واحدا أو حتى رصاصة واحدة، مع أن قيمة الرصاصة تفوق في نظرهم قيمة النقود.
لا وجود للتكتم والصمت في الصحراء، هكذا اقتنع الرحالة الإنجليزي من خلال مغامرته في الربع الخالي ودونه في كتاباته. مشيرا إلى أن الرجل المتميز يعلم أن شهرته ستنتشر في كل مكان، وإذا أساء لنفسه فهو يعلم أيضا أن قصته سوف تتردد في كل الخيام. وهذا الخوف من الرأي العام هو الذي يفرض تقاليد الصحراء القاسية في جميع الأوقات، وأن وعيهم أنهم دائما أمام جمهور من المستمعين هو الذي يجعل الكثير من تصرفاتهم متكلفة
أما كرم البدو أو بدو الربع الخالي بالتحديد فيقول عنه: كنت أتقاسم معهم الماء الآسن والخبز ولحم الإبل القاسي. وأن قانون الصحراء كان يقضي بتقاسم الطعام بغض النظر عن قلته أو كثرته وذلك بالتساوي بين رفاق السفر، وحدث ذات مرة أن اصطادوا أرنبا بريا صغيرا، وبعد تقسيمه إلى أجزاء متساوية، استدرك ابن كبينة، الرفيق المقرب لي، قائلا: الله ! لقد نسيت تقسيم الكبد، وقد قبلته بعد إلحاح والتأكيد على أن الكبد كانت يجب أن تقسم أيضا.
كما تحدث الرحالة الإنجليزي عن شيخ فقير، ارتخى جلده متغضنا على تجويف بطنه من الجوع، وكان الانطباع الأول لمبارك بن لندن أن الرجل ربما شحاذا، لكنه علم فيما بعد أن العجوز كان أغنى رجل في قبيلته، وقد أفقره كرمه؛ لأنه لم يأته ضيف إلى خيمته إلا نحر جملا لإطعامه.
أوسمة وألقاب
حصل «ولفريد ثيسجر» أو مبارك بن لندن على العديد من الأوسمة والألقاب منها: وسام الخدمة المتميزة، ميدالية «ليفينجستون» من الجمعية الملكية الجغرافية الاسكتلندية، ومن الجمعية الملكية الآسيوية ميدالية «بيرتون ميموريال». كما فاز بجائزة «هاينمان» وبعضوية الجمعية الملكية للآداب، ودرجة دكتوراه شرفية من جامعة «ليستر وباث»، ثم منح في عام 1968م لقب «كوماندر أوف بريتيش إمباير»، ومنح عام 1995م لقب فارس الإمبراطورية البريطانية..وغيرها.
وبعد خمس سنوات قضاها في التنقل والترحال، ذهب ثيسجر إلى أهوار العراق وكردستان ثم أفغانستان فكينيا، حيث أعجبته الحياة، فقرر قضاء بقية عمره هناك. وكانت آخر زيارة لمبارك بن لندن للجزيرة العربية عام 1990م لمدينة أبو ظبي، حيث افتتح معرضا للصور التي التقطها في تلك الفترة، والتي تزيد عن 3000 صورة، وثقت حياة الإنسان في الخليج والجزيرة العربية. وقد وجد الوضع متغيرا حيث ولت حياة البادية وشظف العيش وأصبحت المنطقة تعيش نهضة حضارية شاملة، تركت أثرا عميقا في نفس مبارك بن لندن، الرحالة الذي توفي عام 2003م، عن عمر يناهز 95 عاما.
أمانة بدو الربع الخالي تبهر الرحالة الإنجليزي وحلال المشاكل ينقذه «5/2»
3 آلاف صورة توثق الحياة في صحراء الجزيرة العربية
13 يونيو 2009 - 23:25
|
آخر تحديث 13 يونيو 2009 - 23:25
3 آلاف صورة توثق الحياة في صحراء الجزيرة العربية
تابع قناة عكاظ على الواتساب
سعيد آل منصور ـ شرورة

