أضحى الربع الخالي بفضاءاته الواسعة وتضاريسه الصحراوية قبلة لعشاق سياحة الصحراء وهواة الصيد والحالمين بليالي الشتاء المقمرة وطلعات البر ونصب الخيام، إلا أنه ما يزال بحاجة إلى تعميق هذه الثقافة، إذ لا يكفي الاقتصار على مهرجانات الإبل لاجتذاب الزوار ما لم يكن هناك استعدادات كاملة وبرامج سياحية معدة لاكتشاف جمال الصحراء والوجه الجديد لشرورة «جوهرة» الربع الخالي التي تشهد تغييرا واضحا في ملامحها الحضارية دون تفريط في الإرث الثقافي، حيث تتراجع ثقافة الخيام لحساب التطور العمراني بينما تبرز سباقات الهجن لتؤصل ثقافة الصحراء. عندما قدمت إلى محافظة شرورة قادما من جدة استرجعت ذكرياتي القديمة حينما زرت هذه المحافظة قبل ثماني عشرة سنة وبالرغم أنني زرتها ليلا في ذلك الوقت إلا أن ذاكرتي لا تزال تحتفظ بالصور الجميلة لأهالي هذه المحافظة وكرمهم وحفاوة استقبالهم للضيوف، فعندما تدخلها تستقبلك تحية أهلها المعتادة والمتداولة والتي تمثل لقبائل شرورة الشفرة الدارجة والمتعارف عليها (قويتوا) كما تمثل
(مرحبا ألف) تحية لسكان منطقة عسير و (مرحبا هيل عد السيل) لأهالي منطقة الباحة و ( أرحبوا ) لقبائل منطقة نجران، ولكن شرورة الأمس غير شرورة اليوم فكل ما فيها تغير من خدمات وطرق ومنشآت حكومية.
وتقع شرورة في صحراء الربع الخالي ويطلق عليها الكثيرون (جوهرة الربع الخالي) لموقعها الجغرافي المميز الذي يربط بين الجنوب والشمال وبين الغرب والشرق وهو ما يميزها ويجعلها أكثر أهمية كما أنها تتبع إداريا إلى منطقة نجران التي تبعد عنها ما يقارب 350 كم ويبلغ عدد سكانها أكثر من 60000 نسمة
وتتبع لها العديد من المحافظات والمراكز والهجر ومنها: الوديعة، الأخاشيم، سرداب، الكناور، تماني، قلمة خجيم، حمراء نثيل، وهويمل.
الوجه الجديد
وتغير الوجه الثقافي لشرورة في العصر الحديث بتوفر المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية للبنين والبنات في مبان حكومية وكلية للتربية للبنات ومعهد علمي للبنين ومعهد مهني للبنين، وامتد هذا التغير ليشمل قطاع الخدمات الصحية بتوفر مراكز الرعاية ومستشفى عام يضم 70 في المائة من التخصصات الطبية الأساسية وفي طور التحديث، ويعد من المستشفيات التي أشاد بها وزير الصحة السابق أكثر من مرة من حيث النظافة والتنظيم والاهتمام بالمرضى.
كما اختلف الوجه الحضاري للمنطقة بعد التخلي التدريجي عن ثقافة الخيام وارتداء ثوب الطراز المعماري الحديث، حيث توجد العديد من المباني المعدة للإيجار على أفخر المستويات وكذلك الفنادق ذات الخمسة نجوم والشقق المفروشة على أفضل المستويات.
وترتبط شرورة بطريق بري يصلها بمدينة نجران وطريق يصلها بوادي الدواسر وطريق آخر يصلها بمدينة الوديعة ومنها حتى المنفذ السعودي إلى الجمهورية اليمنية. كما يجري العمل في سفلتة طريق شرورة الخرخير الممهد حاليا والذي تبقى منه القليل. كما يتوفر بها مطار إقليمي متصل برحلات داخلية إلى الرياض، جدة، أبها، جازان، نجران.
ويعتبر محافظ شرورة محمد بن عبيد الراشد المنطقة واعدة في مجال الاستثمار السياحي والثقافي، وخصوصا في فصلي الربيع والشتاء، حيث يصبح المناخ معتدلا وباردا في الشتاء، وهذا ما يزيد من إقبال الناس على المتنزهات البرية، كما أن مهرجان سباق الهجن السنوي والذي أقر قبل خمس سنوات يعد من أهم عوامل الجذب السياحي، وكذلك وجود المناطق الصحراوية التي تجذب هواة القنص والتطعيس، وبالإضافة إلى الفنادق والمنتجعات السياحية التي عرفت طريقها أخيرا للمنطقة. ويشكل منفذ الوديعة إلى الجمهورية اليمنية رافدا من روافد الجذب الاقتصادي والسياحي، حيث يعد بوابة إلى اليمن وعمان والإمارات وبه حركة تجارية كبيرة بعد إنشاء المنطقة الحرة بين السعودية واليمن من نقل البضائع والتبادل التجاري الكبير، وهناك ما يقرب من ثلاثة آلاف زائر يوميا يمرون عبر شرورة إلى هذا المنفذ. ويكمل المحافظ الصورة بقوله: نطمح مستقبلا إلى نجاح مهرجان شرورة والذي كان هذا العام أحد عوامل الجذب السياحي، حيث اشتمل على أمسيات شعرية ومزاين إبل وسباق خيول وهجن وكذلك مسرحيات اجتماعية هادفة.
مهرجانات ثقافية
تشكل المهرجانات ملمحا أساسيا لثقافة أبناء المنطقة، ويعبر الشاعر محسن الهمامي عن ذلك بقوله: افتقدنا في السابق للمهرجانات وكان سكان المنطقة يرحلون لمشاهدة مهرجانات المدن الأخرى، كالمهرجانات الثقافية والشعرية وسباق السيارات أو ما يسمى بالراليات وسباق الهجن السنوي ولكنها أصبحت حاضرة الآن في المنطقة، ويوافقه الرأي رجل الأعمال والشاعر خالد بن اسحاق الصيعري الذي يصف شرورة بأنها نموذج للمدن المتطورة والتي أصبحت في زمن قياسي تضاهي مدنا وصلتها الحضارة منذ زمن. وشرورة تتربع في وسط الربع الخالي كجوهرة متوشحة رداء التطور والتقدم والنهضة الحضارية في ظل اهتمام المسؤولين .
ويستقطب مهرجان سباق الهجن ـ الذي دخل عامه الرابع على التوالي ـ المشاركين حتى من الدول المجاورة ويعد رافدا من روافد السياحة في شرورة، ويترقب المواطنون موعد هذا المهرجان حيث يعتبره عيضة الصيعري معلما من معالم المحافظة ومناسبة لإحياء تراث أبناء الصحراء، وفرصة لافتتاح حراج أو سوق لسفينة الصحراء، حتى أصبحت شرورة الوجهة السياحية المفضلة لسياحة الصحراء والغوص في رمال الربع الخالي، ويرى عبدالله الصيعري أن موقع شرورة الهام ومناخها جعلا منها منطقة سياحية يقصدها الزوار من المملكة ومن الدول المجاورة، خصوصا أنها تتمتع ببنية تحتية قادرة على استقبال السياح وخصوصا في فصلي الربيع والشتاء.
وعلى الطريق الذي يربط شرورة بمركز الوديعة ومنفذها الدولي يقع ميدان الهجن الذي أخذ وضعه بين ميادين المملكة رغم قصر عمره الزمني فهو يستعد الآن لإقامة السباق الخامس بعد النجاح المنقطع النظير في سباقاته الأربعة الماضية، الميدان الذي تبلغ مساحته أربعة بلايين متر مربع يحتوي على مضمار من الحديد بمسافة ثمانية كيلو مترات حسب المعايير الفنية، ومرابط للمقيمين والقادمين ومنصة رئيسية للاحتفالات على أحدث طراز كما أن الميدان تتطبق فيه القواعد المنظمة لركوب الهجن كما يقول مانع بن دوحان أحد المشرفين على سباقات الميدان في مسابقاته الأولى.
وتطرق الشيخ علي بن يسلم الصيعري إلى أهمية الميدان قائلا: يمثل ميدان الهجن في شرورة معلما تراثيا طال انتظاره خلال السنين الماضية فالهجن لسكان شرورة والربع الخالي وأبناء الجزيرة العربية بصفة عامة تمثل الأصالة والفخر والاعتزاز.
سباق الهجن
أما عبد الله بن سالم بن جربوع فاعتبر سباق الهجن تراثا وتقليدا يجد الإنسان فرصة للترويح والتمتع بجمال هذه المخلوقات التي عاصرت ابن الجزيرة في الكثير من حياته اليومية، والهجن لها أصول وسلالات تعرف بها. وهناك الكثير من السلالات الأصيلة التي يعود نسبها لقبائل الجزيرة العربية ومن أبرز أنواع هذه الهجن هي الهجن الصيعرية نسبةإلى قبائل الصيعر الذين يقطنون شرورة وأطراف الربع الخالي، وانتقلت هذه السلالة إلى الكثير من أبناء الجزيرة العربية وقد شاع صيتها في أوساط هذه القبائل وتتميز الذلول الصيعرية بالسرعة والصبر وقوة التحمل ومقاومة الظروف الصحراوية القاسية وقد ذكرها الكثيرون من الشعراء القدامى والمعاصرين في قصائدهم أمثال طرفة بن العبد، وغيره من الشعراء في وقتنا الحاضر ومن هؤلاء الشاعر ناصر الفراعنة عندما وصف في إحدى قصائده الذلول الصيعرية قائلا:
صيعرية كم مرافضها دماث
كن حدر خفافها مثل الحثاث
دقها الميسم ثلاث مع ثلاث
جوس ترعى في الدير نوع اغتصاب
صيعرية لا رثيث ولا غثيث
من على عاشر بطن ما به خبيث
هقوتي لو هي عطاها الله جناح
أن تسابق للفضاء جن التراب
صيعرية لا عطت بأرض دخاخ
كنها تطرد عن المذهب جخاخ
من غجها كبر الراكب وشاخ
فوق غاربها تل يلي خطاب
صيعرية كن أذانيها رزز
أو طواقي عسكر يوم اللزز
وكن بين دفوفها حجارة خرز
والروادف كنها روس الهضاب
كن سنام الصيعرية يوم شاط
قبة القصر الأميري في الرباط
والخفاف ثقل كسر من بلاط.
والسفيف لاخفقت كنها تساب.
«قويتوا» تلاحق الزائرين في شرورة ( 3 / 5 )
جوهرة الربع الخالي تتخلى عن ثقافة الخيام
15 يونيو 2009 - 01:15
|
آخر تحديث 15 يونيو 2009 - 01:15
جوهرة الربع الخالي تتخلى عن ثقافة الخيام
تابع قناة عكاظ على الواتساب
سعيد آل منصور ـ شرورة