يعتبر الروائي المصري نجيب محفوظ الذي توفي الأربعاء الماضي عن عمر جاوز 94 عاما أشهر روائي عربي حيث امتدت رحلته مع الكتابة أكثر من 70 عاما وأثمرت حوالى 50 رواية ومجموعة قصصية ومسرحية قصيرة فضلا عن كتب أخرى ضمت مقالاته في الشؤون العامة. وراهن محفوظ منذ أكثر من 60 عاما على فن الرواية وقفز بها إلى صدارة فنون الكتابة بعد أن كانت في النصف الأول من القرن العشرين في مرتبة متأخرة بعد الشعر وفن المقال.
توجت رحلته مع الكتابة عام 1988 بالحصول على جائزة نوبل في الآداب ولايزال العربي الوحيد الذي حصل عليها في هذا المجال.
وفي سن الرابعة ذهب محفوظ إلى كتاب الشيخ بحيري في حارة الكبابجي بالقرب من درب قرمز قبل أن يلتحق بمدرسة بين القصرين الابتدائية. ثم انتقلت الأسرة عام 1924 إلى حي العباسية.
وحصل محفوظ على شهادة البكالوريا من مدرسة فؤاد الأول الثانوية والتحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة الآن) وتخرج في قسم الفلسفة عام 1934.
وكان يعد نفسه لمهمة أخرى غير كتابة الرواية إذ كان مفتونا بالفلسفة وبدأ حياته وهو طالب بالجامعة محررا في مجلة (المجلة الجديدة) التي كان يصدرها الكاتب المصري سلامة موسى 1887 - 1958 ونشر أول مقال له في أكتوبر الأول 1930 بعنوان (احتضار معتقدات وتولد معتقدات).
وكانت مقالات محفوظ في المجلة الجديدة وغيرها تعنى بالتعريف بالمدارس الفلسفية. كما ترجم عن الإنجليزية كتاب (مصر القديمة) للبريطاني جيمس بيكي ووزعته المجلة الجديدة على قرائها بمناسبة العطلة السنوية عام 1932.
وكان ترتيب محفوظ الثاني على زملائه ولكن لجنة شكلها قسم الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة اختارت اثنين غيره لبعثة إلى فرنسا لدراسة الفلسفة واستبعدته من استكمال الدراسات العليا.
وعقب تخرجه عمل كاتبا في إدارة جامعة القاهرة حتى عام 1938 وفي تلك الفترة التحق بالدراسات العليا وبدأ يعد لرسالة الماجستير بعنوان (مفهوم الجمال في الفلسفة الإسلامية) تحت إشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق.
الرواية الأولى
ونشرت رواية محفوظ الأولى (عبث الأقدار) عام 1939 بالمصادفة حيث كتبها (كما قال للناقد المصري الراحل غالي شكري) في الفترة من سبتمبر 1935 إلى ابريل عام 1936 من دون أن يعلن ذلك لأحد إلى أن سأله سلامة موسى عما يشغله فأجاب محفوظ..
«إنني أتسلى وأكتب بعض الحكايات في أوقات الفراغ».
وطلب موسى نموذجا مما كتب فأعطاه محفوظ مسودة (عبث الأقدار) ثم فوجيء ذات يوم بمن يطرق بابه ويعطيه النسخة الأولى من الرواية وكانت تلك النسخة أول أجر يحصل عليه من الكتابة.
وقال الكاتب المصري محمد سلماوي إنه عثر لدى محفوظ على تخطيطات لأربعين رواية عن مصر الفرعونية مشيرا إلى أن محفوظ كان ينوي كتابة التاريخ المصري القديم بصيغة روائية على غرار ما فعله سير وولتر سكوت في تعامله مع تاريخ اسكتلندا.
ونفذ محفوظ من خطته ثلاث روايات فقط هي (عبث الأقدار) عام 1939 و (رادوبيس) 1943 و (كفاح طيبة) عام 1944 ثم انشغل بالأحداث السياسية بعد الحرب العالمية الثانية وآثارها على المجتمع المصري وقدر أن الاستمرار في الكتابة عن مصر الفرعونية وسط عواصف الواقعية نوع من الترف فانتقل إلى مرحلة روائية جديدة.
زمن الرواية
واكتشف محفوظ مبكرا أن الزمن القادم هو زمن الرواية وخاض معركة مع الكاتب المصري الراحل عباس محمود العقاد الذي كان متحمسا للشعر وحده مستهينا بالرواية بل رأى أن بيت شعر واحداً أكثر قيمة من أهم الروايات.
في رده على العقاد دافع محفوظ عن فن الرواية قائلا إنها «شعر الدنيا الجديدة».
وبدأت المرحلة الثانية (الواقعية) في مسيرة محفوظ منتصف الأربعينات بنشر رواية (القاهرة الجديدة) وأتبعها بعدد من الروايات الواقعية (خان الخليلي) و(زقاق المدق) و(بداية ونهاية).
وقال إنه انتهى من كتابة الثلاثية الشهيرة (بين القصرين) و (قصر الشوق) و (السكرية) قبل قيام ثورة يوليو 1952 في مصر.
واعترف محفوظ بأنه تخلص بعد قيام الثورة من مشاريع روائية عن الفترة السابقة نظرا لتغير الواقع. كما سبق أن استغنى عن كتابة الأعمال الفرعونية التي خطط لها في بداية مشواره الأدبي مشيرا إلى أن شرط الكتابة ألا تكون جيدة فقط بقدر ما تكون ضرورية.
وتوقف محفوظ عن الكتابة سبع سنوات حتى عام 1959 بحجة أن العالم القديم الذي كان يسعى إلى تغييره بالإبداع تغير بالثورة.
وكانت المشاريع الروائية جاهزة لكن حافز الكتابة غير موجود ثم اكتشف أن للواقع الجديد أخطاءه فكتب رواية (أولاد حارتنا) التي نشرتها صحيفة الأهرام القاهرية كاملة رغم اعتراض كثير من رموز التيارات المصرية المحافظة ولم تطبع الرواية في كتاب داخل مصر إلى الآن.
أولاد حارتنا
ولكن الكاتب اللبناني سهيل إدريس نشر (أولاد حارتنا) في دار الآداب البيروتية التي يملكها وظلت النسخ تصل إلى من يريد قراءتها في مصر بدون إثارة أزمات إلى أن حصل محفوظ على جائزة نوبل عام 1988 فأعيد فتح الملف من جديد وصدرت عن الرواية كتب ذات طابع تحريضي منها (كلمتي في الرد على نجيب محفوظ) للشيخ عبد الحميد كشك.
وتجاوز محفوظ في الستينيات أزمة (أولاد حارتنا) بالانشغال بكتابة أعمال ذات طابع رمزي يجسد فلسفةالشك والبحث عن يقين وغاية للحياة.
وسبب بعض هذه الأعمال مشاكل عارضة لمحفوظ مع نظام جمال عبد الناصر الذي توفي عام 1970 إلا أنها جميعا نشرت مسلسلة في صحيفة الأهرام الحكومية كما طبعت في كتب وأنتجتها السينما وسمح بعرض الأفلام بعد احتكام الرقابة أحيانا إلى الرئيس عبد الناصر.
وصدرت رواية (الكرنك) عام 1974 وهي الوحيدة بين أعمال محفوظ التي تحمل تاريخ الانتهاء من كتابتها (عام 1971) واعتبرها النقاد من بين أعمال محفوظ الأقل شأنا من الناحية الفنية بعد سلسلة من الروايات الأكثر عمقا والتي انتقد فيها النظام بكثير من القسوة التي احتملها الطرفان.
ويدين محفوظ في «الكرنك» القبضة الحديدية التي حاصرت المواطن المصري في العهد الناصري.
وعنها قال محفوظ فيما يشبه الإيضاح لا الاعتذار إنه كتبها بضمير مستريح وبمعزل عن الحملات التي حاولت أن تشوه وجه الثورة المصرية وقائدها عبد الناصر.
وأضاف «لو كنت أعلم أن آخرين سيكتبون عن السجون والمعتقلات ما يشكل مكتبة كاملة ما كتبت الكرنك».
وفي عام 1977 نشر محفوظ إحدى أهم رواياته (ملحمة الحرافيش) واعتبرها بعض النقاد إعادة صياغة لروايته (أولاد حارتنا) بينما رأى آخرون أنها أبرز أعماله.
ومثلت قفزات محفوظ الفنية من الرواية التاريخية إلى الواقعية والرمزية والملحمية تلخيصا لسنوات من الإبداع وأجيال من المبدعين فلولاه لظل الطريق غير ممهد للأجيال التالية.
الجوائز
وحظي محفوظ بعدد من الجوائز في مسيرته بدأت بجائزة قوت القلوب الدمرداشية عن رواية (رادوبيس) عام 1943 ثم حصل عام 1944 على جائزة وزارة المعارف (التربية والتعليم الآن) عن (كفاح طيبة) وجائزة مجمع اللغة العربية عام 1946 عن (خان الخليلي) وتوجت الجوائز المصرية بجائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1970 وعندما أقرت جائزة مبارك كأرفع الجوائز المصرية كان محفوظ أول فائز بها عام 1999.
وأشار تقرير نوبل إلى أن الأعمال التي حاز عنها الجائزة عام 1988 هي رويات (أولاد حارتنا) و (الثلاثية) و(ثرثرة فوق النيل) والمجموعة القصصية (دنيا الله).
وكانت المجموعة القصصية (صباح الورد) ورواية (حديث الصباح والمساء) اللتين صدرتا عام 1987 آخر ما نشر للكاتب قبل فوزه بجائزة نوبل.
وبعد الجائزة ردد محفوظ أنه أصبح موظفا عند السيد نوبل في إشارة إلى أن الجائزة حرمته نعمة الهدوء وجعلته موضع الاهتمام الإعلامي حيث طاردته كاميرات التلفزيون وأربكت برنامجه اليومي وغيرت عاداته في الكتابة.
استعد لكتابة التاريخ المصري القديم بصيغة روائية
محفوظ للعقاد: الرواية شعر الدنيا الجديدة
3 سبتمبر 2006 - 19:46
|
آخر تحديث 3 سبتمبر 2006 - 19:46
محفوظ للعقاد: الرواية شعر الدنيا الجديدة
تابع قناة عكاظ على الواتساب
سعد القرش (القاهرة)