-A +A
محمد طالب الأحمدي (هاتفيا، واشنطن)

انطلق مخطط تفجير السفارة السعودية في واشنطن واغتيال السفير عادل الجبير من طهران، وتحديدا من المنطقة «14» في حي دزكام شمال شرقي العاصمة، وانتهى بالفشل في مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك.

وحصلت «عكاظ» على وثائق رسمية ومعلومات دقيقة تفضح مستوى العداء الذي ينتهجه الحرس الثوري الإيراني، حيث ثبت أن ثلاثة قياديين في الحرس الثوري حاكوا المؤامرة سرا، وأسندت مباشرتها على الاثنين الآخرين منصور عربابسيار، وعلي غلام شاكوري.. والقياديون هم الفريق قاسم سليماني قائد فيلق القدس، واللواء عبدالرضا شاهلاي، ومسؤول التنسيق حميد عبدالإلهي.



ونعرض في البداية قصة تاجر المخدرات، وبائع السيارات المستعملة، وشيف الكباب المشوي، والمنسق المباشر في تنفيذ عمليتي التفجير. والاغتيال «عربابسيار».

توجه عربابسيار سنة 1980م إلى الولايات المتحدة للدراسة في جامعة كينجزفيل «أي آند إم» في تكساس، وهو في سن الـ25 من عمره، وهناك اشترك مع اثنين من طلاب الجامعة في فكرة إنشاء صالة عرض للسيارات المستعملة في منطقة «كوربوس كريستي» في مقاطعة نوبسيز الواقعة جنوب غربي الولايات المتحدة، والمطلة على خليج المكسيك.. وقد تحققت فكرتهم، لكنهم ما لبثوا فترة 8 أشهر إلا وانسحبوا من المشروع، لكن عربابسيار بادر بفكرة تملكه الكامل له، وهذا ما حصل بعد موافقة شريكيه الاثنين.

المخدرات تحت غطاء التجارة

وتوسع عربابسيار في بيع السيارات المستعملة، واختار لنفسه اسما حركيا داخل أسواق المزاد، حيث كانوا ينادونه بـ«جاك».

وفي سنة 1990م عرض عليه رجل أعمال يدعى«تومسكا» وهو أكبر من عربابسيار بـ4 أعوام، فكرة خلق شراكة لتصدير السيارات المستعملة إلى المكسيك، وبيعها على الحدود، فوافق على ذلك، لكن ما لبثت حتى انفضت بعد 6 أشهر، نتيجة العجز عن استيفاء المستحقات لبعض شركات السيارات وصيانتها.

لكن التحقيقات في القضية الأخيرة قادت إلى الكشف عن حقيقة أخرى بأن عربابسيار كان يتخفى في تجارة المخدرات تحت غطاء تصدير السيارات المستعملة إلى المكسيك.

شيف الكباب

لم يقتنع عربابسيار بأن يقف حكرا على تجارة السيارات المستعملة، فبدأ بالاقتراض من البنوك لتوسيع مجالات تجارته، حيث افتتح في المنطقة ذاتها مركزا للتموينات الغذائية، ومطعما للكباب الإيراني بإشرافه هو في مجمع «سن سيت».

صحيفة السوابق

وحصلت «عكاظ» على سجل السوابق المقيدة بحق عربابسيار، إذ يكشف عن إدانته بالاختلاس والتحايل التجاري، واعتقاله لهذا الاتهام سنة 2001م، في مقابل إلقاء القبض عليه ثلاث مرات في مخالفات مرورية، مسجلة في سنوات 1993، 1996، 1997م.

إفلاسه والعودة إلى إيران

وفي سنة 2010م تأزمت نشاطات عربابسيار التجارية، على خلفية الأزمة الاقتصادية العالمية، فاختار بيع بعض أملاكه التجارية، ورهن الأخرى.

عندها قرر العودة إلى إيران تاركا وراءه زوجته الثانية «مارثا غيريرو»، والإقامة في حي دزكام في المنطقة «14» شمال شرقي العاصمة طهران، وهناك عرض عليه ابن عمه اللواء عبدالرضا شاهلاي العمل على تنفيذ مخططات لفيلق القدس، وتنفيذ مهام استخباراتية وعسكرية في الخارج، وتحديدا في الولايات المتحدة كونه يحمل جواز سفر أمريكي.

وافق عربابسيار على العرض، مقابل أن يعيد له الفيلق تجارته ومنزله الذي باعه، لكن الفيلق كان أكثر إغراء حيث تكفل له بشراء منزل مستقل من طابقين، داخل مجمع راق، في منطقة راوند روك، في ضاحية أوستن.

وحصلت«عكاظ» على معلومات دقيقة عن مسكنه، حيث يقع بالتحديد في الإحداثيات (30.48986691 – 97.60639012)، ضمن مجموعة فلل يقطنها مواطنون لاتينيون ذوو أصول إسبانية.

شبكة الإنترنت

ولاحظ السكان انطواء عربابسيار، وخروجه ليلا في الحي، والحديث طويلا عبر الهاتف المحمول وهو واقف أمام منزله.

بعدها لاحظوا ظهور أسماء لشبكات الإنترنت اللاسلكية «واير ليس» تحمل مسميات أمنية وبعضها سياسية، وكان آخرها شبكة باسم مكتب التحقيقات الفيدرالية «FBI1»، فأبلغوا الشرطة، حيث خضع الحي للمراقبة، فتبين أن مصدر الشبكة منزل عربابسيار.





البدء في التخطيط

انطلق عربابسيار في تنفيذ مخططه، والسفر إلى المكسيك مرارا من أجل تحقيق الهدف (اغتيال الجبير وتفجير السفارة)، تحت إدارة توجيه قياديين في الحرس الثوري.

وبعد متابعته من قبل وكالة الاستخبارات المركزية «سي آل إيه»، والشرطة الفيدرالية، وإدارة مكافحة المخدرات، تكشفت لدى هذه الأجهزة حقائق كانت مخفية منذ 2006م، أي قبل البدء في التخطيط بخمسة أعوام.

فقد ثبت أن المطلوب لدى الولايات المتحدة في هذه العملية علي غلام شاكوري تنقل بين عدة بلدان في العالم بجوازات مزورة، وكان من بينها دخوله الولايات المتحدة، وإقامته لدى أعضاء سريين في فيلق القدس في عمق العاصمة واشنطن.

وأظهرت السجلات حقيقة دخول شاكوري في 30 نوفمبر 2006م، عبر جواز سفر مزور، يحمل رقم K10295631.

وفيما تولى ابن عمه اللواء عبدالرضا شاهلاي مهمة إقناعه بالتنسيق في المهام الإرهابية للفيلق في الخارج، اتضح للسلطات الأمريكية أنه دخل الولايات المتحدة، وأمضى فيها فترة بين سنة 2010 و2011م، التقى خلالها بابن عمه عربابسيار.

ويظل لأبرز المطلوبين في القائمة قائد فيلق القدس الفريق قاسم سليماني الدور الأبرز في التخطيط والتمويل، وتلقي التوجيهات من مراجعه العليا، وإبلاغ نائبه شاهلاي والمنسق شاكوري بكافة التعليمات.

البيتزا آخر وجبة في المنزل

وبعد الزيارات المتكررة من عربابسيار إلى المكسيك، والتي وردت تفاصيلها في الحلقة الأولى يوم أمس، وجدت السلطات الأمريكية ضرورة التنسيق سريا مع الحكومة المكسيكية بشأن تعقبه وتبادل المعلومات حوله، بعد ورود معلومات تفيد أن عربابسيار صرح للمخبر السري في المكسيك بضرورة البحث عن خبير في متفجرات «سي فور»، حيث سيتم استخدامها في تنفيذ العمليتين.

وفيما تم إيداع مبلغ 100 ألف دولار للمخبر السري في المكسيك كدفعة أولى من 1.5 مليون دولار لتنفيذ العملية، رصدت الجهات الأمنية الأمريكية وجود حجز على رحلة جوية بتاريخ 27 سبتمبر 2011م من تكساس إلى نيويورك، وراقبت خروجه من المنزل في منطقة راوند روك عصرا، بعد أن جاءه عند الظهيرة مندوب مطاعم «بيتزا هت»، لتوصيل وجبة الغداء له.

اتفاق أمني سري

وتم التنسيق مع الجهات الأمنية في نيويورك والمكسيك، حيث جرى تعقب تحركاته، وانكشاف نيته للسفر إلى مكسيكو سيتي عاصمة المكسيك، وهنا تم إشعار السلطات المكسيكية بالأمر.

وفور وصوله إلى مطار مكسيكو الدولي، تم ضبطه من قبل الأجهزة الأمنية في المطار، وإبلاغه بضرورة عودته إلى نيويورك، لعدم رغبة المكسيك في دخوله إلى أراضيها، دون أن يبدوا له أية أسباب.

ووفقا للقوانين في المكسيك فإن الراكب يعود إلى آخر مطار قادم منه، إذا جرت إعادته إلى نيويورك في 28 سبتمبر، وهناك تم إلقاء القبض عليه فجر اليوم التالي 29 سبتمبر في مطار جون إف كينيدي الدولي.. وخاض في سلسلة من التحقيقات التي أقر واعترف فيها بالتخطيط على اغتيال سفير خادم الحرمين الشريفين لدى الولايات المتحدة عادل بن أحمد الجبير، وتفجير السفارة السعودية في واشنطن، حيث مقرها في جادة نيو هامبشر، في مدينة واشنطن دي سي.



«سي فور».. المجهزة لاغتيال الجبير وتفجير السفارة



تعد «سي فور» المخطط استخدامها في تنفيذ عمليتي تفجير السفارة السعودية في واشنطن واغتيال السفير الجبير في أحد مطاعم العاصمة، مادة شديدة الانفجار، ذات قوة واسعة على تدمير المنشآت والمدرعات والأرتال العسكرية، إذ تبلغ قوة مفعولها خمسة أضعاف مفعول مادة «تي إن تي» المتفجرة، حيث تعادل العبوة التي تزن 2 كيلوجرام من «سي فور» قوة عبوة من «تي إن تي» تزن 10 كيلوجرامات.

وبدأ استخدام «سي فور» عسكريا من قبل الولايات المتحدة في حربها على فيتنام سنة 1965م، ومن هناك تجلت قوة المتفجر في نسف المدرعات والدبابات، بصورة لم تعهدها الحروب في ذلك الوقت.

ويبدو «سي فور» كمادة عجينية، رمادية اللون، ويتكون من أربعة مواد فعالة وخطرة، لهذا اقترن الرقم «4» في تسميته.