أبرز ما يميز أفكار الشيخ الدكتور صالح بن عبدالله بن حميد أنها واضحة لا التباس فيها، فيها جزالة علمية وفقهية، وفيها نصيحة ومشورة، وفيها رؤية وبعد نظر، وفيها معانٍ ومصطلحات يفهمها العامة والخاصة.
تلك المواصفات في أفكار الشيخ ابن حميد جعلت له مستمعين كثرا من أنحاء العالم، وبخاصة في خطبه في المسجد الحرام، وفي هذه الصفحة بعض من آرائه ذات الرزانة والرجاحة التي لا تخرج إلا من عالم ينتمي لبيت علم وفقه، تربى وترعرع بين أرفف أمهات الكتب، وبين أحضان عالم كبير من علماء الأمة:
•• في موضوع الحوار، يقول الدكتور صالح بن حميد:
ــ الحوار ليس دعوة مجردة للتفاهم، بل عملية محددة أركانها وأسسها، ونفي لما قد يشوب أو يرد من الخواطر والنوايا الخفية التي لا تلبث أن تنكشف، فتزيل الظنون وتفرغ الحوار من مضمونه أو عناصره الجوهرية من الصدق والوضوح والإخلاص والتجرد، كما هي كذلك تستبطن التبادل والتفاهم المشترك.
والحوار سعي يتوخى معرفة الآخر الصادق، ويتفهم نقاط الاختلاف والمغايرة، ومدى القرب والبعد في المسافات، ويتفاعل في مجالات الفكر المتنوعة، ويتعاون معتمدا المقاصد الحسنة والقيم المستمدة من رسالات المرسلين والفطرة التي فطر الناس عليها (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا).
والحوار تبادل للأفكار والحقائق والمعلومات والخبرات؛ ما يزيد المعرفة ويوسع دائرة الفهم المشترك في جو من الاحترام والمعاملة بالحسنى والجدال بالتي هي أحسن، بعيدا عن نوازع التشكيك ومقاصد التجريح، بل مع القصد إلى إشاعة روح التفاهم والوئام فيما يقع فيه التوافق من ميادين النفع العام ومجالات للبشرية جمعاء.
والحوار نهج حضاري وفعل ثقافي رفيع يؤكد على المشترك الإيجابي بين الحضارات، يسهم في تثبيت السمة الرئيسة للثقافة الإنسانية واستجابتها للتطور والاغتناء والثراء في التفاعل فيما بينها ليتخذ بعضهم بعضا سخريا.
والحوار الناضج ينطلق من استعداد كل طرف لفهم الآخر، ويتجنب إصدار الأحكام المسبقة، مع الاتفاق والاستعداد لتحري الحق وقبوله في إطار من التفهم والعدل والرغبة المشتركة في تبني قيمة إنسانية مستقيمة في إحداث التفاعل الحضاري، حوار يقوم على مبدأ التعاضد والتعاون في مواجهة العنصرية ونفي الآخر، والبعد عن نزعات التفوق والاستعلاء، والدعوة الصادقة الجادة لحماية كرامة الإنسان وحقوقه.
والحوار عند المسلمين ينطلق من إيمانهم بالله وبرسولهم محمد ــ صلى الله عليه وسلم، ثم بعلم وبصيرة وحكمة مأخوذة من الدين وسماحته، ونهج وممارسة لسيرة نبينا محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ ودعوته وما سار عليه أئمة الهدى من علماء المسلمين ودعاتهم عبر مسيرة المسلمين الطويلة (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم)، (وقولوا للناس حسنا)، (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم).
فالحوار ثقافة راسخة في ذاكرة الأمة الإسلامية، اصطبغت بها العلاقة بين المسلمين وغيرهم منذ مبعث رسولنا محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ وعبر تاريخ حضارتها الطويل.
وكيف لا يكون الحوار والعقلاء الناصحون يدركون ما تعيشه البشرية اليوم من أزمات في سياساتها واقتصاداتها وأخلاقياتها وما تواجهه من تحديات بسبب بعدها عن هدي الدين ورسالات الله، وما تجلى في الأسرة من تفكك وفوضى، ما أوقع في براثن الرذيلة والظلم والإرهاب وهتك حقوق الإنسان وإفساد البيئة التي أنعم الله ــ عز وجل ــ بها على بني آدم في هذه الأرض، وهم المستخلفون فيها المكلفون بعمارتها (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)، (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها).
لماذا لا يكون الحوار من أجل مساندة القضايا العادلة في الشعوب المظلومة، وحقوق الإنسان المشروعة، والدفاع عنها والتعاون على تحقيق الحق وإزهاق الباطل؟! حوار وتعاون لبث القيم الأخلاقية الفاضلة، ومناصرة الحق والخير والسلام، والوقوف ضد الهيمنة والاستغلال والظلم والفساد والإضرار والتحلل والعنصرية والعصبية، والتنديد بمسالك الاستعلاء البغيضة.
وسطية الإسلام
•• وحول وسطية الإسلام بأنواعها، يقول الدكتور صالح بن حميد:
ــ الإسلام وسط بين طريق المغضوب عليهم أمثال: اليهود الذين قتلوا أنبياء الله وقتلوا الذين يأمرون بالقسط من الناس وأسرفوا في التحريم وحرموا كثيرا مما رزقهم الله، وبين الضالين أمثال: النصارى الذين اتخذوا الأنبياء آلهة واتخذوا الأحبار والرهبان معبودات من دون الله، وأسرفوا في التحليل حتى قالوا: كل شيء طيب للطيبين.
والإسلام وسط في الاعتقاد بين خرافيين يصدقون بكل شيء ويتعلقون بكل شيء ويؤمنون بغير برهان حتى عبدوا آلهة من دون الله فعبدوا الأبقار وقدسوا الأحجار والأوثان، وبين من ينكر كل شيء ولا يتعلقون إلا بالماديات المحضة ويتنكرون من رداء الفطرة والعقل وبراهين المعجزات.
والإسلام وسط بين الذين عظموا الأنبياء وقدسوهم ورفعوهم فوق منزلتهم حتى جعلوهم آلهة أو أبناء لله، وبين الجفاة الذين كذبوهم وأهانوهم بل عذبوهم وقتلوهم وفي الوقت الحاضر بعضهم يقولون: إنهم مجرد مصلحين اجتماعيين، أو هم مصلحون في أوقاتهم فحسب.
والإسلام وسط بين الغلاة في العقل الذين جعلوه مصدر المعارف والحقائق في الوجود وما وراء الوجود، وبين الجفاة الذين تنكروا له وانزلقوا وتعلقوا بالإلهامات، وعمت أبصارهم.
إذن، نحن أهل الإسلام ديننا دين وسط في ذلك، فالعقل له منزلته، بل العقل هو محطة تكليف، وفي المقابل نحن لا نغلو بحيث ما لم تصدقه عقولنا لا نقبله؛ لأننا نعلم أن العقل محدود، كما أن طاقاتنا كلها محدودة، فقوة اليد، والبصر، والسمع كلها محدودة، كذلك قوة العقل محدودة، لكنها قوة نعترف بها في حدودها.
إذن، هو وسط في التكاليف، بل ــ في التكاليف ــ إذا طرأ عليك ظرف خفف الله عليك، فإذا جاء ظرف، سواء أكان شاقا أو في الأسباب التي قررها الشرع كالسفر مثلا، قد لا يكون شاقا، لكن لو حصل ظرف شاق فإنه يأتي التخفيف.
فالتكاليف وسط، ولهذا المداومة على العبادة تكون في حدود ما تطيق (عليكم من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا)، (وأحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه، وإن قل)، ولهذا ابن الجوزي ــ رحمه الله ــ يعلق على قضية المداومة، فيقول: إنما أحب الله الدائم لمعنيين: أحدهما: أن التارك للعمل بعد الدخول فيه كالمعرض بعد الوصل، فهو متعرض للذم، ولهذا ورد الوعيد في حق من حفظ آية، ثم نسيها، وإن كان من قبل حفظها لا يتعين عليه. ثانيهما: أن مداوم الخير ملازم للخدمة، وليس من لازم الباب في كل يوم وقتا كمن لازم يوما كاملا، ثم انقطع.
العمل الخيري
•• وفي تطرقه للأعمال الخيرية ودور العاملين فيها، يقول الدكتور صالح بن حميد:
ــ نجاح العمل الخيري يعد مقياسا وتقويما لمستوى عيش الأمم والأفراد، وعاملا من عوامل التوازن والتكامل بين الأغنياء والفقراء.
العمل الخيري صمام أمان، بل هو ــ بإذن الله ــ الأمن الوقائي في المجتمعات وبين الدول، فهو يساعد على تقليص الجريمة، ونزع مخالب الشح والحسد، فثماره وآثاره تعم الجميع القاصي والداني، ويتحقق به التوازن السياسي والاقتصادي، وكبح جماح طغيان قطاع على قطاع.
وليس من المبالغة القول بأن العمل الخيري يعد من خطوط الدفاع الأولى للدول والأمم، والإجهاز على هذا الخط بتشويه أو تشكيك أو إضعاف أو تحجيم هو إجهاز على قوة من أهم القوى المساندة لأي دولة أو مجتمع، فلا بد من التنبه ودقة النظر والتدبر والاعتبار والحذر من مكر الماكرين وكيد الكائدين.
والعاملون في الجمعيات الخيرية هم سفراء شرفاء، يحملون الإخلاص والحب من دولهم ومواطنيهم، وعمل الخير ينطلق من أفئدتهم قبل أن توزعه أيديهم، ولا نزكي على الله أحدا، بل الله يزكي من يشاء، ووقوع الأخطاء الفردية والاجتهاد الخاطئ لا يشوش على شرف المهمة ونبل أهلها.
فالقائمون على الأعمال الخيرية قد تجاوزوا مصالحهم الذاتية وعاشوا لغيرهم، بل عاشوا للفقراء واليتامى والمرضى والأرامل وأسر القتلى والشهداء، وتفانوا وضحوا وبذلوا في سبيل تحقيق المصالح العامة ابتغاء رضوان الله.
إصلاح ذات البين
•• وعن الإصلاح بين الناس، يقول الدكتور صالح بن حميد:
ــ التنازع مفسد للبيوت والأسر، مهلك للشعوب والأمم، سافك للدماء، مبدد للثروات (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)، وبالخصومات والمشاحنات تنتهك حرمات الدين، ويعم الشر القريب والبعيد، من أجل ذلك سمى رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ فساد ذات البين بـ«الحالقة»، فهي لا تحلق الشعر ولكنها تحلق الدين.
الأمة تحتاج إلى إصلاح يدخل الرضا على المتخاصمين، ويعيد الوئام إلى المتنازعين، إصلاح تسكن به النفوس، وتأتلف به القلوب، إصلاح يقوم به عصبة خيرون، شرفت أقدارهم، وكرمت أخلاقهم، وطابت منابتهم، وإنهم بمثل هذه المساعي الخيرة يبرهنون على نبل الطباع وكرم السجايا، فئات من ذوي الشهامة من الرجال والمقامات العلية من القوم، رجال مصلحون ذوو خبرة وعقل وإيمان وصبر، يخبرون الناس في أحوالهم ومعاملاتهم، حذاق في معالجة أدوائهم، أهل إحاطة بنفوس المتخاصمين وخواطر المتباغضين والسعي بما يرضي الطرفين.
فسبيل الإصلاح عزيمة راشدة، ونية خيرة، وإرادة مصلحة، وبريد الإصلاح، حكمة المنهج، وجميل الصبر، وطيب الثناء، سبيل وبريد يقوم به لبيب تقي يسره أن يسود الوئام بين الناس: (وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما)، وللإصلاح فقه ومسالك دلت عليها نصوص الشرع وسار عليها المصلحون المخلصون.
فمن فقه الإصلاح النية، وابتغاء مرضاة الله، وتجنب الأهواء الشخصية والمنافع الدنيوية. إذا تحقق الإخلاص حل التوفيق وجرى التوافق وأنزل الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد.
أما من قصد بإصلاحه الترؤس والرياء وارتفاع الذكر والاستعلاء، فبعيد أن ينال ثواب الآخرة، وحري ألا يحالف التوفيق مسعاه (ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما).
ومن فقه الإصلاح سلوك مسلك السر والنجوى، فلئن كان كثير من النجوى مذموما، فإن ما كان من صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، فهو محمود مستثنى (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضاة الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما).
الدعوة السلفية
•• وفي حديثه عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، يقول الدكتور صالح بن حميد:
ــ المتأمل في دعوة محمد بن عبدالوهاب ــ يرحمه الله ــ يقف مدهوشا أمام النتائج السياسية التي أثارتها والتي حققتها في آن واحد، مع أن دعوة الشيخ ــ رحمه الله ــ ومؤلفاته وكتبه ورسائله ليس فيها ما يمكن القول بأنه ذو نهج سياسي أو يشتمل على مطالب سياسية، كما هو معروف في مصطلح لغة العصر، وإنما هي كتب ورسائل تبحث في التوحيد والأحكام، وسنة رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم، ومع هذا فقد تحولت هذه الدعوة إلى أبرز قضية سياسية في العالم الإسلامي.
كان جوهر دعوته ــ رحمه الله ــ تصحيح العقيدة والتركيز على التوحيد وإخلاص العبادة لله وحدهـ، وتحقيق معنى اتباع رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم، وقد آزره وتبنى دعوته الإمام محمد بن سعود ــ رحمه الله ــ وكانت مكاتباتهم لمن حولهم من الأمراء والولاة والأقطار، ليس فيها قضية سياسية، ولا مطمع توسعي، ومع هذا قامت قيامة الأقطار من حولهم، وثارت ثائرتهم وألصقوا التهم ولفقوا الأكاذيب. وما كانت هذه المكاتبات إلا لبيان معنى لا اله إلا الله والنهي عن التعلق بغير الله. يكتب بذلك للسلاطين والعلماء، ولكن سرعان ما يذهب العجب حينما نعرف حقيقة ديننا والمنهج الوسط الذي يقوم عليه المتمسكون به. ويمكن توضيح ذلك من وجهين:
أولهما: أن من أهم خصائص الإسلام الدين الخاتم للأديان، والذي جاء به محمد ــ صلى الله عليه وسلم ــ للناس كافة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وأنه دين ينظم الحياة كلها، فالإسلام دين الدنيا والآخرة، وفق قوله سبحانه: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين...). وقوله تعالى: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة). وقوله: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا). فهذا دين الله الشامل جمع بين حق الله وحق العبد وبين أمر الدنيا وأمر الآخرة.
الأمر الثاني: عنصر الحركة والحياة في الإسلام الحق، قال تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها). (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم).
أكد أن الإسلام وسط بين الغلاة في العقل والجفاة المتنكرين له .. ابن حميد:
الحوار نهج حضاري وثقافة راسخة في ذاكرة الأمة
20 يونيو 2013 - 19:47
|
آخر تحديث 20 يونيو 2013 - 19:47
الحوار نهج حضاري وثقافة راسخة في ذاكرة الأمة
تابع قناة عكاظ على الواتساب
إعداد: طالب بن محفوظ
