عندما اختير الشيخ الدكتور سعد بن تركي الخثلان عضوا في هيئة كبار العلماء، في 3 ربيع الأول 1434هـ (15 يناير 2013م)، كان الأصغر سنا في بقية الأعضاء المختارين لتلك الفترة، ذلك أن الشيخ الخثلان برز في أنواع الفقه، منها: فقه النوازل، فقه الأزمات والفتن، وفقه المعاملات المالية.
صاحب علم عميق وفكر رزين، فهو يدعو طلابه والناس ومن يشهد محاضراته وبرامجه التلفزيونية والإذاعية إلى التفكر في خلق الله، موضحا أن ذلك يزيد الإيمان في القلب، ويرسخ اليقين، ويجلب الخشية لله ــ تعالى ــ وتعظيمه، وكلما كان الإنسان أكثر تفكرا وتأملا في خلق الله وأكثر علما بالله تعالى وعظمته كان أعظم خشية لله تعالى، كما قال ــ سبحانه: (إنما يخشى الله من عباده العلماء).


مبينا أن السلف الصالح كانوا على جانب عظيم من هذا الأمر، فكانوا يتفكرون في خلق الله ويتدبرون آياته ويحثون على ذلك، يقول أحدهم: ما طالت فكرة امرئ قط إلا فهم، ولا فهم إلا علم، ولا علم إلا عمل، ويقول الآخر: لو تفكر الناس في عظمة الله لما عصوه.
اهتمام بالفلك
كما أن له اهتماما بعلم الفلك مع تخصصه الشرعي الدقيق، فيقول عن ذلك في لقاء صحفي: «اهتمامي بعلم الفلك من قديم، لكنني ركزت على ما يخدم الجانب الشرعي كالأهلة ومواقيت الصلاة، فالأهلة الإشكالية فيها قائمة، ولا أدل على ذلك من تفاوت بلدان العالم الإسلامي في دخول شهر رمضان وعيد الفطر تفاوتا يصل إلى ثلاثة أيام في بعض السنوات وصل الاختلاف إلى أربعة أيام، والجميع يدعي أنه يعتمد على الرؤية الشرعية لإثبات دخول الشهر، إن مثل هذه الاختلاف لم يكن موجودا من قبل، وإن كان قد يوجد اختلاف في يوم واحد فقط، كما في قصة كريب لما سأله ابن عباس ــ رضي الله عنهما، فكان صيام أهل الشام ليلة الجمعة وصيام أهل المدينة ليلة السبت، بسب اختلاف المطالع أو بسبب عدم وجود وسيلة اتصال سريعة، فعمل أهل كل بلد في ذلك الحين حسب اجتهادهم، وفي وقتنا الحاضر ومع وجود وسائل الاتصالات السريعة التي جعلت العالم كالقرية الصغيرة يصل الاختلاف إلى ثلاثة أو أربعة أيام، وهذا يدل على وجود إشكالية إما في فهم هذا الأمر في الشريعة أو في طريقة الإثبات، وينبغي أن تتضافر الجهود لحل هذه الإشكالية أو تضييق الاختلاف ورد الأمر على ما كان عليه في صدر الإسلام، وكذلك مواقيت الصلاة، وهي وإن كانت قد خدمت من الجانب الفقهي كثيرا، لكنها من الناحية الفلكية لم تخدم، أو بعبارة أدق لم نقف على كتب مطبوعة خدمت هذا الجانب، مع أن التقاويم في العالم الإسلامي تعتمد على هذه العلامات، والناس في الوقت الحاضر تعتمد اعتمادا كاملا على التقاويم، وآمل أن أسهم في تقديم شيء ينفع الأمة في هذا الجانب».
وكان قد خلص في بحثه (الاستعانة بالحسابات الفلكية في إثبات الأهلة) المقدم للمؤتمر العالمي لإثبات الشهور القمرية عند علماء الشريعة والحساب الفلكي لذي نظمه المجمع الفقهي في رابطة العالم الإسلامي: «إن الأصل في إثبات الأهلة هو الرؤية لا الحساب، وأن ذلك مطرد في مجال الإثبات، فلو دل الحساب الفلكي على إمكانية الرؤية، لكن الهلال لم ير إما لوجود سحاب أو لغير ذلك من الأسباب، فالمعتمد على الرؤية لا الحساب، وحينئذ فالواجب إكمال الشهر ثلاثين يوما، وأما في مجال النفي، أي إذا دل الحساب الفلكي على استحالة رؤية الهلال لكونه يغرب قبل الشمس ــ مثلا ــ فلا يطرح الحساب الفلكي حينئذ برمته، وإنما يكون عاملا مؤثرا في مجال التمحيص والتدقيق بل والتشدد في قبول الشهادة، وأنه مع هذا التمحيص لن يكون هناك اختلاف بين الرؤية والحساب، وأن وسائل تكبير الرؤية من المناظير والتليسكوبات والمراصد إذا رئي الهلال عن طريقها رؤية حقيقية تعين العمل بهذه الرؤية، ولو لم ير بالعين المجردة».
أعمال متعددة
خرج الشيخ الخثلان عن قوقعة العمل الأكاديمي بمناشط خيرية ودعوية واجتماعية أخرى، مثل إلقاء المحاضرات والندوات في المساجد والمجامع الفقهية والمنابر الثقافية، وعقد الدورات الشرعية، والمشاركة في المؤتمرات العلمية، واستقطب من قبل عدة وسائل إعلامية بمختلف أنواعها؛ المرئية والمسموعة والمقروءة.
لم يكتف الشيخ سعد الخثلان بذلك؛ بل له أدواره الأخرى في العديد من الجهات، مثل: مستشار غير متفرغ في وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية الفقهية السعودية، رئيس تحرير مجلة الجمعية الفقهية السعودية، عضو في الهيئة العالمية للاقتصاد والتمويل، عضو في الأسرة الوطنية لمناهج المواد الشرعية بوزارة التربية والتعليم، إمام وخطيب جامع الأميرة سارة بنت سعد آل سعود في مدينة الرياض.
هذا كله إلى جانب العديد من المؤلفات والأبحاث والدراسات، منها كتب: أحكام اللباس المتعلقة بالصلاة والحج، أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي، فقه المعاملات المالية المعاصرة، الوجيز في عقود الاستيثاق والارتفاق، أعمال القلوب، تسهيل حساب الفرائض، ورسالتا (الإسبال في اللباس وأحكامه)، و(اشتمال الصماء والسدل في الصلاة).
تفوق علمي
بدأ الشيخ الخثلان حياته الدراسية منذ بدايتها بتفوق، فلم يتنازل عن المركز الأول والـ «ممتاز» في شهادته الدراسية منذ أن كان في الصف الأول الابتدائي، وذكاؤه الفطري جعله يحفظ القرآن الكريم كاملا منذ نعومة أظافره، وكان طفلا وناشئا وشابا نابها أعجب به كل من درس على أيديهم في كل المراحل الدراسية من الابتدائية وحتى الجامعية.
وعندما التحق بكلية الشريعة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض، كان أساتذته قد تنبأوا بعالم له آراؤه في استنباط الأحكام الشرعية وتنزيلها على الواقع، لما يملكه من ذكاء وتفوق نال بهما المركز الأول بتقدير «ممتاز» على دفعته عند حصوله على درجة «البكالوريوس»، أهله ذلك لأن يكون معيدا في قسم الفقه في كلية الشريعة؛ ليحصل بعدها على «الماجستير» بامتياز أيضا في أطروحته (أحكام اللباس المتعلقة بالصلاة والحج)، يعقبها حصوله على «الدكتوراه» بعدم تنازل عن الـ«الامتياز» مضافا لها «مرتبة الشرف الأولى» في أطروحته (أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي).
ولأنه طموحه المتزن كان طاغيا على حياته العملية والعلمية؛ فإن الشيخ الخثلان لم يستمر كثيرا على رتبة «أستاذ مساعد» في كلية الشريعة، لينتقل سريعا إلى رتبة «أستاذ مشارك»، ثم «أستاذ بروفيسور»، مع إشرافه ومناقشته العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه، إضافة للتدريس في قسم الدراسات العليا في كلية الشريعة.
ذلك التميز الفقهي لدى الشيخ الخثلان لم يكن للذكاء والنباهة والتفوق الذي أمتلكها جمعيا، بل إنه أيضا صقل ذلك بالتتلمذ على أيدي كبار علماء المملكة البارزين المعروفين بعلمهم العميق وحكمتهم لدى كافة أبناء الأمة الإسلامية، حيث أثنى ركبتيه على العلامة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، والعلامة الشيخ عبدالله بن حسن بن قعود ــ رحمهما الله.