لقد أثبتت لنا الدكتورة لمياء باعشن أنها تغني في صحراء حتى هذه الجملة التأكيدية تنفيها الطبيعة إذ أن الأماكن تصغي وتعيد الصدى.
ويبدو أن واقعنا تخلى عن ميزة الإصغاء وانجرف أو سحق داخل مكنة الاستهلاك حتى لم يعد قادرا على تذكر شيء ذي قيمة، فنحن نمضي في حياة فقدت بهجتها حين تم اغتيال الفنون.
وقد تم اغتيال فنون عديدة من مزمار، وسمسمية، وموسيقى، ومسرح والحاضر منها يحضر حضورا باهتا مشوها ليس له ارتباط حقيقي بجذوره وتنوعاته.
وثمة تأكيدات أن المجتمع الذي يفقد تراثه ولايحزن فهذا دليل على أنه فقد الكثير والكثير من كنوز موروثاته ولم يبال.
وهذا الفقد نادرا مايحدث في المجتمعات التي تقيم وزنا لتراثها وآثارها إذ أن الموروثات والتراث يمثلان العمق الوجداني والمغذي الثقافي لوجودها .
فأين كان يقبع وجودنا عندما طمست الآثار، وأين كان هذا الوجود عندما منعت كثير من الفنون الشعبية، وأين كان هذا الوجود عندما مات التاريخ الشفوي في صدور الناس، ولم نسع لتوثيقه، وأين كان هذا الوجود عندما ضمرت الحكايات الشعبية، وماتت الأهازيج والفلكلور والأزياء والمهن الشعبية ووووووو.
لايكون للوجود معنى إذ تم تفريغه من محتواه الوجداني والذي يظهر في حكاية أو أغنية أو أهزوجه تنطلق من أفواه الناس فكل الفنون أدوات حاملة تنقل لنا الوجدان الشعبي وعبقه، وتحمل قيمه وأخلاقياته، وهي بذلك تسهل الإبقاء على تلك القيم التي سبقت وجودنا.
عميقة هي الحسرة التي تنتابك وأنت تستمع لأهازيج (ياقمرنا يامليح) .
وهو شريط حمل تسعة أهازيج حجازية كادت تندثر فأحيتها الدكتور لمياء باعشن، وقامت بإخراجها (والمساحة لاتسمح بالحديث عن روعة ذلك الإخراج (أداء وموسيقى) وهذا يحتاج إلى تناول ثقافي وفني يثمن تلك التجربة ويمنحها حقها الثقافي .
وما قامت به الدكتورة لمياء من مجهود فردي في حفظ التراث الحجازي في حكاياته (التبات والنبات) وأهازيجه (دوها يادوها ) ثم تلاه (ياقمرنا يامليح) يعد عملا ثقافيا ضخما لم يقابله إلا الصمت .
فبعد أن قدمت تجربتها الأولى في حفظ تراث طفولتنا من خلال شريط ( دوها يا دوها) جاء الشريط الثاني أكثر تعزيزا للتجربة وأكثر إصرارا على تذكير الناس بوجودهم الوجداني المفقود.
شريط حمل ثراء في مادته، وأدائه وموسيقاه ولايمكن اختصار ذلك الجهد من خلال مقالة عابرة إذ كنت أتمنى خلال الفترة التي مضت على إصدار هذا الشريط ــ والتي تقارب العامين ــ أن قامت مؤسسة ثقافية بإحياء ليلة لمناقشة مثل هذا العمل الرائع، أو قامت إحدى القنوات الفضائية بأخذ تلك الأهازيج وتقديمها كفقرات لبرامج أو تقديمها منفردة ..كنت أتمنى أن يحدث احتفاء ما بهذا العمل المتميز إلا أن موات القيمة يقابله موات في الاهتمام وموات في الإصغاء .
اعتذر للدكتورة لمياء باعشن بتناول جهدها العميق بهذه السطحية العابرة وإن كانت ــ هذه المقالة ــ تمثل تحية عابرة لها ولكل من شاركها في صناعة ذلك الجمال الذي اسمه (ياقمرنا يامليح) .