العراق ومنذ أن توالت عليه الانقلابات العسكرية وهو في (مطبات) ليست هوائية ولكنها جهنمية، فمن (حفرة لدحديرة)، ابتداء من قاسم إلى صدام إلى المالكي في عصرنا الحاضر، وليس معنى ذلك أن العراق كان في عهد الملكية جنة الله بالأرض، لا أبدا، ولكنه على الأقل كان يحاول أن يرتقي بطريقة إنسانية، لا عن طريق السحل والتفجير والهتك.
وما قرأته عن علاقة ومواقف الملك فيصل بن الحسين مع بعض الأدباء والشعراء والمفكرين، جعلتني أتأسف أن القدر لم يمهله لكي يكمل مشواره.
ومعروف أنه أول ما بدأ حياته كان على ضفاف (البوسفور) حيث درس بعض العلوم الحديثة، ثم انخرط بالسياسة الحربية، ونصب ملكا على سوريا.
غير أن فرنسا أخرجته من سوريا، ليبرق أهل العراق إلى والده الشريف حسين طالبين منه أن يتوج ملكا عليهم، وهذا ما كان.
فقرب (الزهاوي) واختاره عضوا بمجلس الشيوخ، ورغم مواقف الشاعر المتمرد (الرصافي)، فإنه كان يظهر عطفه عليه، ويغض الطرف عن كثير من أشعاره الهجائية.
وعندما زار (طاغور) العراق، كان في ضيافته، وكانا طوال الوقت يتناقشان في روحانيات الشرق وماديات الغرب.
وكانت علاقته ممتازة مع (طه حسين)، وقد قال له طه: يا صاحب الجلالة، نراك تشجع شعبك على الأخذ بالجديد المفيد، ليس بالقول فحسب ولكن بالعمل أيضا، فرد عليه: رغم تحفظي على بعض طروحات (اتا تورك) فإنني لست بأقل منه بحاجة العرب إلى أسباب الحضارة، وتكون للمرأة دور فيها، ولكنني مشغول الآن بتحرير العراق ورجاله ونسائه من رق الاستعمار.
وله مواقف رائعة مع (شكيب أرسلان) و(أمين الريحاني) الذي من فرط إعجاب الأخير به ألف كتاب (سيرة عقل الثورة ومدبرها).
وممن خصهم بحبه الشاعر (أحمد شوقي) الذي عرفه قبل الحرب العالمية الأولى، وعزمه شوقي في منزله (كرمة ابن هانئ)، وبعد أن أصبح فيصل ملكا، دعاه لزيارة العراق، غير أن شوقي الذي يخاف من الطائرة خوفه من الموت وهو الذي قال: أركب الليث ولا أركبها، اعتذر وأرسل له بدلا منه المطرب عبد الوهاب عام 1931، وهو الذي غنى له في حفلة أقيمت في بغداد:
يا شراعا وراء دجلة يجري / في دموعي تجنبتك العوادي
أمة تنشئ الحياة وتبني / كبناء الأبوة الأمجاد
تحت تاج من القرابة والملك / على فرق أريحي جواد
ملك الشط والفراتين والبطحاء / أعظم بفيصل والبلاد.
هي كلمات قليلة تفتح صفحة من التاريخ، وذلك بمناسبة (موضة) السيارات المفخخة والتفجيرات العمياء التي لم توفر لا مدارس الأطفال ولا مساجد العباد ولا حفلات الأعراس، ولا حتى مآتم العزاء.
يا الله كم أهل العراق في نكبة.