لا أظنّ أنّ هناك حرباً عبر التاريخ، أربكت المشهد بقدر ما أربكته الحرب الجارية بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، سواء أثناء احتدام المعارك وسعارها، وحتى ما يجري حالياً من حالة متأرجحة وقلقة،
بعد توقيع مذكرة التفاهم، تستمر المفاوضات على ذات النّقاط، التي تتضارب أقوال الطرفين حول التوصل إلى اتفاق بشأنها.
فالمتابع للمشهد سيلحظ بسهولة جنوح الجانب الإيراني نحو محو كلّ ما يصدر عن الجانب الأمريكي، وتحديداً ما يصدر على لسان الرئيس دونالد ترمب، الذي ما ينفكّ يبشّر العالم كلّ لحظة بأنّ إيران على وشك الانهيار، وأنّها ترغب في توقيع «أيّ اتفاق» مع واشنطن يخرجها من أزمتها المتفاقمة، وأنّها راضخة للشّروط الأمريكية بغير تحفّظ أو استدراك، في سياق يوشك أن يصل بالجميع إلى قناعة أن صيغة التفاهم بالمفهوم الأمريكي تقارب أن تكون «وثيقة استسلام»، أكثر من كونها وثيقة تفاهم لحلّ أزمة، وقف فيها صوت الرّصاص لحين، ولم يخفت فيها صوت التصريحات المتباينة حتى الآن..
ففي مقابل هذه السرديات الأمريكية تتعقّب السلطات الإيرانية، كلّ ما يصدر عن الرئيس ترمب، لتعلن نقيضه، لتظهره، في صلف بأنه غير قادر على إنفاذ إرادته عليها، وكأنها تحاول إقناع الداخل قبل الخارج بانتصار خرجت به من الحرب، وهو أمر يجافي الحقيقة، ويعاكس الواقع المُعاش والمنظور، مثل سرديات الانتصار التي أعلنها «حزب الله» في لبنان، و«حماس» في غزة، على تلال من الخراب والدمار وجثث القتلى.
ويمكن لأيّ متابع للأحداث ملاحظة هذه المعاكظات الإيرانية، خصوصاً في مسار التفاهمات، فلم تترك مواقيت التوقيع دون مشاغبة بنقائضها، وكذّبت تصريحات ترمب بشأن عدم فرض رسوم على عبور السفن عبر مضيق هرمز بعد انقضاء فترة الشهرين، ولو جاء الفرض سيكون من جهة واشنطن ولصالح خزينتها استيفاء لمنصرفاتها، السابقة والحالية واللاحقة!
ليجيء الرد الإيراني بإعلان مسارات خاصة وفق شروط فرضها «الحرس الثوري» وبمدد زمنية محددة..
فيما يخص موضوع الإفراج عن الأموال الإيرانية، بوصفه شرطاً من شروط المذكرة، استبق ترمب التصريح بتقييد حركة هذا المال وحصر إنفاقه في مواد غذائية من السوق الأمريكية لصالح المحتاجين في طهران، بما يشبه الوصاية عليها، فكان الرد الإيراني نقيضاً لذلك، وتأكيداً لحقها في المال وحرية التصرف فيه على النحو الذي تراه طهران..
أما الأمر الأكثر دهشةً وأدعى للاستغراب أنّ كلا الطرفين يتفقان على أنهما لم يناقشا موضوع «النووي الإيراني» وتطوير الصواريخ الباليستية الإيرانية، وإنما انحصر النقاش كله حول مضيق هرمز، ووضع بروتوكولات لتنظيم حركة الملاحة على هذا النحو الذي نشاهده اليوم، والذي يشي بأنّه إعلان بمحركات سياسية، يسعى كل طرف من خلاله أن يسجل نقاطاً، في طراد الكسب الإعلامي، والظهور بمظهر المنتصر، ودالة ذلك تُنظر في بطء حركة الملاحة، واحتياجها لزمن طويل حتى تعود إلى شيءٍ من طبيعتها السابقة..
والعجب من تأجيل موضوع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية إلى أمد لاحق، بينما كانا هما الدافع الحقيقي الذي اندلعت بسببه هذه الحرب، واستهدفت فيه آلة التدمير الأمريكية والإسرائيلية مجتمعتين هذين المشروعين المهدّدين لسلامة وأمن المنطقة، بما حتّم أن يكون النقاش حولهما والاتفاق على ضرورة نسفهما من جذورهما مقدّم على أي تفاهمات أخرى، فما إغلاق مضيق هرمز إلا عرض جانبي لحرب جذرها الأساسي هو القضاء على أي إمكانية لحصول إيران على قنبلة نووية، وهو أمر لن يكون بمقدورنا الجزم به، والاطمئنان على تصريحات ترمب «المتضاربة» بشأنه، طالما بقيت كميات اليورانيوم المخصّب بحوزة إيران، مناقضة لتصريحاته باتفاقه مع إيران على ترحيل اليورانيوم المخصّب إلى واشنطن، أو تسليمه للإدارة الأمريكية ليصبح تحت تصرفها، وتارة نسمع عن ترحيله إلى روسيا.
والحقيقة التي لا جدال حولها أنه ما زال بحوزة إيران، وأنها طال الزمن أو قصر ستعيد المسرحية نفسها، والتهديد بتفاصيله، والحال كذلك مع مشروع تطوير الصواريخ الباليستية، و«كأنك يا أبو زيد ما غزيت»!
المشهد في مجمله يريك الشيء ونقيضه قبل أن تقوم من مكانك، وقبل أن تبرح جلستك وأنت تتابع الأخبار، فلا ثابت تبني عليه رؤية واستشرافاً، ولا حقيقة تمسك عليها لترسم أفقاً لحل منتظر يزيح عن هذه المنطقة الكابوس الذي جثم عليها..
ولكن بخلاف هذه الصورة المربكة يظل المشهد الخليجي الأكثر قدرة على رسم آفاق الحل المنطقي وفق المعطيات الماثلة، والتقديرات السليمة، ولعل هذا ما رشح بصورة إيجابية في الاجتماع الوزاري بين أمريكا ودول مجلس التعاون الذي انعقد أخيراً في المنامة، حيث اتفق الجميع على أن «تحقيق السلام والأمن الدائمين في المنطقة يتطلّب التصدي لجميع أشكال التهديدات الإيرانية، بما في ذلك صواريخها الباليستية وطائراتها المُسيّرة ودعمها للوكلاء في المنطقة».
كما شدّدوا على «أهمية إعادة فتح مضيق هرمز، وحرية الملاحة غير المشروطة وغير المقيّدة، بما في ذلك حق المرور العابر المكفول بموجب القانون الدولي، ورفض فرض أي رسوم أو ضرائب أو محاولات لفرض السيطرة على المضيق»، مؤكدين بشكل حاسم أن «أي تجارة واستثمار مع إيران مشروطة وقابلة للإلغاء، إذ تظلّ مرهونةً بالتزام إيران بمذكرة التفاهم والاتفاق النهائي، ووقف سلوكها المزعزع للاستقرار، وتهيئة الظروف اللازمة للتعاون الاقتصادي»..
في طوايا هذه الرؤية الخليجية المشتركة يكمن الحل الباتر للأزمة، وبغيره لن يكون ثمة حل ناجع.


