في البيت يتعلم الطفل معنى العدل قبل أن يقرأ عنه، يلمسه في طريقة توزيع الاهتمام بينه وبين إخوته، وفي موقف والديه حين يخطئ أحدهم أو يقع عليه ظلم، لكنه قد يكتشف أن الحقوق تختلف باختلاف أصحابها، وأن القرب من صاحب السلطة أهم من صدق الموقف، لهذا تستحق بعض الممارسات الأسرية التأمل ونحن نتحدث عن المحاباة والتسلط وازدواجية المعايير في مؤسسات العمل.

من حق الوالدين التوجيه والتربية ومن واجبهما وضع الحدود، لكن ذلك لا يعفيهما من تفسير قراراتهما وسماع أبنائهما ومراجعة الخطأ، فالاحترام لا يسقط حق الابن في أن يسمع صوته وينصف في شكواه.

وقد يطالب المظلوم بالنسيان والمسامحة قبل الاعتراف بما وقع عليه، فإذا عجز اتهم بالحقد، وكأن عليه أن يتحمل الأذى ثم يتحمل مسؤولية إنهائه، والمسامحة قيمة عظيمة لكنها تفقد معناها حين تتحول إلى ضغط على المتضرر لإغلاق الموضوع وإراحة من تسبب فيه.

أما الإهانة المتكررة والمقارنة الجارحة بين الإخوة، فقد تترك أثراً في ثقة الأبناء بأنفسهم وقدرتهم على التعبير عن آرائهم، وقد يحمل بعضهم هذا الخوف إلى المدرسة ثم إلى العمل، فيتردد في المطالبة بحقه أو الاعتراض على تجاوز يراه.

لا يعني ذلك، أن كل من تعرض للظلم سيعيد ممارسته أو يعتاد السكوت عنه، فكثيرون يرفضون ما عاشوه، ويصبحون أكثر حرصاً على إنصاف غيرهم.

فالأسرة ليست وحدها مسؤولة عما يقع في المجتمع من فساد، لكنها قد تكون أول مكان تزرع فيه بذوره، فيمتد أثره خارج أسوار المنزل، ليصبح بعض ما نستنكره من فساد في مؤسساتنا امتداداً لما أعد في ذلك المطبخ.

وإذا كنا نشترط الكفاءة والأمانة في من يدير مؤسسة، أفلا يجدر بنا أن نولي مسؤولية الوالدين القدر نفسه من الاهتمام؟ فكل طفل أمانة مستقلة، له حقوق واحتياجات لا يغنيه عنها ما يقدم لإخوته، فالنزاهة تبدأ من تفاصيل صغيرة: إنصاف بين الأبناء، واعتراف بالخطأ، واستعداد لسماع الشكوى، فالسلطة لا تعفي صاحبها من المحاسبة، سواء كانت داخل المنزل أو خارجه.