في السياسة، قد يسبق وقعُ الاسم قراءةَ الموقف، وقد تتقدم هوية السياسي على ما يقوله ويفعله. هكذا بدا جانب من الجدل حول فوز عبد الرحمن السيد بمقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي؛ فقد تصدّر الحديثَ دينُه وأصولُه العربية وشخصيتُه، بينما تراجع السؤال الأهم: ماذا تعني مواقفه السياسية؟


أن يصل مسلم من أصول عربية إلى مجلس الشيوخ الأمريكي حدث تاريخي في التمثيل السياسي، ويستحق أن يُقرأ بعيدًا عن الاستقطاب. لكن الاعتراف بهذه الدلالة لا يعني تأييد صاحبه؛ فالهويات المشتركة لا تصنع بالضرورة مواقف مشتركة، ولا تمنح أحدًا تفويضًا سياسيًا باسم من يشاركونه الدين أو الأصول.


الدين شأن صاحبه، والجذور جزء من تاريخه، أما الكاريزما وفصاحة اللسان فقد تجذبان الانتباه، لكنهما لا تخبراننا كيف سيتصرف صاحب المنصب حين يُطلب منه اتخاذ موقف أو التصويت على قرار. فالسيد انتُخب لتمثيل ناخبيه الأمريكيين، لا لتمثيل العرب والمسلمين لمجرد اشتراكه معهم في الدين أو الأصول.


ومن اللافت أن ردود الفعل العربية لم تتوقف عند متابعة النتيجة؛ فقد رأى بعض المتابعين فيها مكسبًا جماعيًا، بينما انشغل آخرون بالتشكيك في الخلفيات والانتماءات. وفي الحالتين قد تضيع المسافة الضرورية بين وصف الحدث والحكم على صاحبه. فليس كل اختلاف في السياسة اتهامًا، وليس كل اشتراك في الهوية سببًا للاصطفاف.


وهنا تكمن المفارقة الاتصالية: قد تتقدم الصورة الذهنية على السجل السياسي، وينتقل الاسم والخطاب والجاذبية الشخصية أسرع من الوقائع والمواقف.


وحين يصبح التأثير مرادفًا للكفاءة السياسية في أذهان المتابعين، قد يتحول الإعجاب إلى تأييد بلا تمحيص، كما قد يتحوّل الاختلاف إلى اتهام بلا دليل. والقدرة على جذب الأنظار ليست في ذاتها دليلًا على القدرة على تحمّل مسؤولية القرار.


وهذه مسؤولية الخطاب الإعلامي تحديدًا: ألا يسمح للانطباع بأن يتحوّل إلى حقيقة بديلة، أو للشخصية الجذابة بأن تختصر برنامجًا سياسيًا معقدًا. فالمتابع لا يحتاج إلى مزيد من الإعجاب أو النفور، بقدر حاجته إلى ما يمكن التحقق منه ومساءلة صاحبه بشأنه.


لذلك ثمة فرق بين الإقرار بوصول شخص إلى موقع مؤثر، ومنحه مسبقًا تأييدًا لما قد يتخذه داخله. فالأول واقعة، والثاني حكم لا ينبغي أن يسبق الفعل.


فالهوية قد تكون مصدر اعتزاز، لكنها ليست صكّ تأييد سياسي.


وحين يتعلق الأمر بمجلس الشيوخ الأمريكي، فإن أثر مواقف أعضائه يتجاوز حدود ناخبيهم، وصولًا إلى العلاقات الدولية والمصالح الاقتصادية والدفاعية. ومن منظور المصالح السعودية، ما يستحق المتابعة هو مواقف السيد من المملكة، ورؤيته للعلاقات السعودية الأمريكية، وقراراته ذات الصلة، بعيدًا عن الاعتبارات الدينية والشخصية.


فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على تشابه الأسماء أو تقارب الجذور، وإنما على المصالح والمواقف والقرارات. والتمييز بين الهوية والمسؤولية السياسية هو ما يمنع الاحتفاء من التحوّل إلى أوهام، والاختلاف من التحوّل إلى اتهامات.