أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

تسرُّب حكايات الأفذاذ من الرجال

بين الواقع والتجسيد، فروقات مهولة لنقف هنا من المبتدأ.

الجراح تحمل سجلاً تاريخياً يفسر صعودنا أو هبوطنا هكذا انسكبت خواطر مخيلتها وهي ترمق أخاها مقبلاً على ازدراد الطعام غير مكترث بوقفتها على رأسه:

- لم يكن إبراهيم بشعاً إلا بعد أن استقر هذا الجرح في وجهه.

الجرح الممتد من أسفل عينه اليمنى إلى ذقنه عكّر ملامح وجه الجميلة.

لم يكن جرحاً عابراً بل كان أخدوداً فاضت زوائده على مجرى الشفرة التي شطرت وجنته فتقبقب خده الأيمن، ولم يكن التئامه منشرحاً فعبس على كتل لحمية تدلت على ضفاف الجرح، أحدث العبوس نفسه في حياته، إذ بدأ بخسارة وسامته التي كانت مضماراً لتسابق عيون صبايا الحي بالتفرس فيها واشتهائها وانتهى بصعلوك يعشق الدوران بدراجته النارية بين أزقة الحي بحثاً عن شجار ينتصر فيه لمن يستعين به.

ملامح اشتركت عروق عديدة لإنضاجها،عروق إيطالية وإسبانية وتركية سافرت في سلالته وأناخت بحمولتها على وجهين؛ وجهه، ووجه أخته أميمة.

لم يكن يدر بخلد أحد من أهل الحي أن تنتهي وجاهة تلك العائلة بتثبيت مشهد بائس لأخوين يعيشان في فاقة مدقعة بعد أن أودع أبوهما السجن العام.

كبار السن يتحدثون أن جده أول رجل من رجالات الحارة يركب طائرة، ويسافر إلى بلدان بعيدة، كانوا يخطئون في نطق أسمائها نطقاً سليماً، فيقولون: بلدان بعيدة تصل إليها الشمس في اليوم التالي، ومع كل رحلة يعود محملاً بصفائح الذهب، ويجزم الكثير منهم أن قطع الذهب التي يعثر عليها البعض في مواسم الأمطار هي من تلك الصفائح المدفونة داخل الدار الكبيرة.

كانت داراً كبيرة تهاوت بأسرع من المتوقع.

هذا اقتطاف جزء من رواية الصهريج، ليكون السؤال حاضراً:

- أين تذهب سيرة الرجال؟

عشرات الشخصيات كانوا هنا، وتلحفوا بالتراب، ولم يعد لهم من وجود سوى الحكايات.

فهل تكون تلك الحكايات أمينة على سيرهم، وإن كانت أمينة على الأحداث، فلن تستطيع أن تكون أمينة على مشاعرهم.. الكتابة اقتراب من الحدث وليست الحدث نفسه.

وكل شخصية تُكتب نكون قد سلبناها حقيقة مشاعرها.

ندعي أننا نستبطن تلك الشخصيات إلا أن ذلك الاستبطان قادم من نفس أخرى، وإذا آمنّا بأن لكل نفس بصمة خاصة فلن تكون النفس البديلة هي الأصل.

وكمثال واضح، نحن نعيش الآن مع شخصيات فذة، وحين تلتحف بالتراب لن تستطيع أي كتابة أو دراما تجسيد تلك الشخصية، فهل نقول من ارتحل يكفيه أنه كان موجوداً، ويكفيه ذلك الوجود من غير محاولة استعادة وجوده.

هي مسألة حساسة فنياً، ولا ترتهن لما نقول أو نفكر حين نستعيدها فنياً.

فقط لتكن الاستعادة أكثر صدقاً وأكثر نبلاً مع من تواجد بذاته، وليس تواجداً فنياً.

منذ يومين

تجربة مستقرة تحت الضغط

إن أردت الحكم على جودة عمل فليكن في شهر رمضان، ففيه تكمن جودة التجربة في التفاصيل، فكلما تمّت إجادتها كان الحكم صائباً، فمن يجود وهو صائم يرسل رسالة للتأكيد على صدق تحمّل المسؤولية، ويكون ذلك التجويد تعميقاً للمسؤولية والإنجاز مهما تغيّرت ظروف العمل، ولأن لرمضان طابعه الخاص؛ تختلف فيه الأجواء، وتتغيّر فيه طبيعة العمل وكذلك سلوك الزوّار، وتكون التجربة فيه أعمق وأهدأ من بقية المواسم.

في هذا الشهر، لا يكتفي الزائر بمشهد جميل أو برنامج ممتع؛ إنه يبحث عن تجربة متكاملة تمنحه راحة وطمأنينة وتنظيماً يليق بروح المكان وخصوصية الوقت، لذلك، فإن النجاح في رمضان لا يُقاس بحجم الزخم، بل بدرجة الانضباط.

فالانضباط هو ما يُحدد ما إذا كان الازدحام عبئاً على الزائر أم تجربة منظمة تُدار بمهنية، ومع تضاعف الأعداد وارتفاع وتيرة الحركة، يغدو تنظيم أوقات الذروة عنصراً حاسماً يشمل إدارة تدفُّق الزوّار، وتوجيه مسارات الدخول والخروج، وتوزيع الموارد في النقاط الأكثر ازدحاماً، وتحسين كفاءة التشغيل بصورة مستمرة لحظة بلحظة.

هذه ليست تفاصيل تشغيلية هامشية، بل معايير واضحة تعكس جاهزية القطاع وقدرته على تقديم تجربة مستقرة تحت الضغط.

وفي رمضان تحديداً، تظهر الجاهزية في التفاصيل لا في الشعارات.

فالتفاصيل اليومية هي التي تصنع الانطباع: سرعة الاستجابة، وضوح الإرشادات، نظافة المرافق، دقة المواعيد، وسلاسة التنقل، أما الرسائل العامة والعبارات الرنانة، فلا تُقنع الزائر إذا لم يجدها مطبقة على أرض الواقع.

وأعتقد أن جودة الخدمة في القطاع السياحي -تحديداً- خلال رمضان تعني «التجربة الكاملة» منذ لحظة وصول الزائر حتى مغادرته، وتبدأ من سهولة الوصول والانتقال مروراً بالإقامة وما يتصل بها من راحة وخدمات، ثم الضيافة بمعناها الواسع، وصولاً إلى جودة الخدمات في المواقع السياحية نفسها، وهنا تتكامل أدوار مقدّمي الخدمة من الفنادق إلى مرافق الضيافة وشركات النقل والمنشآت السياحية، فكل طرف منها يُمثِّل حلقة ضمن سلسلة واحدة متكاملة، وأيُّ ضعف في حلقة واحدة ينعكس فوراً على الصورة الكلية للتجربة.

وأعتقد أن هذا القول يظل إنشائياً ما لم تتوفر النماذج التي تحقق ذلك القول.

وفي هذا الإطار يأتي افتتاح فنادق في المنطقة المركزية بمكة المكرمة، إلى جانب افتتاح عدد من الفنادق الجديدة في المدينة المنورة خلال فترة الرحلة، ويأتي هذا ضمن توسع نوعي في الطاقة الفندقية يعكس تنامي الجاهزية التشغيلية ورفع الطاقة الاستيعابية في محيط الحرمين الشريفين، بما يواكب كثافة الموسم ويوفر خيارات إقامة متنوعة للزوار.

أما ضمن استعدادات العيد، فيبرز افتتاح منتجعات كإضافة نوعية للمشهد، فالضيافة الفاخرة تعزز الخيارات الترفيهية والإقامة للعائلات والزوّار بعد ذروة الشهر الكريم، وتؤكد استمرار تطوير المنتج السياحي بما يتماشى مع المواسم المتعاقبة.

وتبقى إدارة الضغط أكثر ما يميّز موسم رمضان، ففي الذروة، لا يختبر الزائر الخدمة فقط، وإنما يختبر هدوء المنظومة بأكملها، والقدرة على التعامل مع الازدحام دون ارتباك، واتخاذ قرارات سريعة دون فوضى، واستمرار جودة الخدمة دون تراجع.

وهذه كلها مؤشرات على نُضج تشغيلي حقيقي، وهي مسؤولية الجهات المشغّلة والمنظمّة بالتكامل مع الجهات المعنية؛ لضمان انسيابية التجربة وحماية جودتها في لحظات الضغط العالية.

رمضان موسم جودة قبل أن يكون موسم أرقام، وهو فرصة لإثبات أن القطاع السياحي قادر على تقديم تجربة منضبطة ومريحة حتى في أكثر الأوقات ازدحاماً، ومن ينجح في رمضان يثبت أنه لا يجهز لموسم واحد، وإنما يبني معياراً تشغيلياً يمكن الاعتماد عليه في كل المواسم.

00:14 | 26-02-2026

الفنون حين ترسم بشائع الحروب

الحروب هي إحدى أدوات تقليم البشرية، إلا أنها نذير شؤم ودمار. وفي كل الحالات يكون وقعها مسبباً لتغيرات عنيفة على المتحاربين وعلى من يجاورهما، وأذكر أني كتبت مقالاً بعنوان (أداة قديمة غير صالحة لحياة مستقبلية)، فالحرب فجوة لردم الحياة، وفي كل زمن تُحفر هذه الحفرة لتقليم الناس.. ونبأ إيقاف أي حرب تكون فرصة لنجاة من لم يكن قد كُتب عليه الموت.. نعم الحروب أداة قديمة لنزع الأنفس، ولم يتعظ الساسة من الويلات التي تخلفها تلك الحروب، ومئات الأعمال الإبداعية ولدت من رحم تلك الحروب، سواء كانت أعمالاً روائية أو أفلاماً أو لوحات فنية، أو أعمالاً موسيقية.. أعمال أرادت إيقاف الدمار من خلال التأسف لما حدث، فكل تلك الأعمال نزت من أجساد الموتى، أو من أسطح البيوت، أو من الخنادق، أو الشوارع، أو فوهات المدافع أو المدن المدمرة، أو أنها طفحت من بيارات النفوس الرديئة.. عشرات المبدعين نجوا من ذلك الدمار فكتبوا أو رسموا أو لحنوا، سجلاً عظيماً من الأعمال الخالدة خلدت حروباً فاسدة.. وكل من قرأ روايات ذلك الدمار أو شاهد أفلامه، عض على شفتيه ندماً لما حدث، ولأن ما قرأه كان استرجاعاً لما خلّفته الحروب، يجاهد ألا يعيش أجواءها أو لا يكتوي بنارها، أو لا يفقد عزيزاً في انفجار أو لا يوسع مقبرة بلده.. ومع نبأ الإيقاف رف القلب فرحاً، وانهالت في ذاكرتي عشرات الروايات للحروب، روايات خلّدت ذلك الدمار المشين العابر لحياة من سبقنا، وبقيت أنفس من عاش ذلك الخراب تنز من صفحات الروايات، وتشكو عما حدث من دمار، وهلاك، وتلف لحياة كانت قائمة فتقوضت بحرب جائرة.. كل الحروب جائرة لا تفهم مغزاها إلا مؤخراً حين يكُتب التاريخ النزيه، مع النبأ، جرت في بالي شخصيات روايات (الحرب والسلام، ليلة لشبونة، كل شيء هادئ على الجبهة الغربية، الأزرق الأزرق، جسر على نهر درينا، الجسر فوق نهر كواي، ليس للحرب وجه أنثوي، لا تقولي إنك خائفة، اقتلعوا البراعم اقتلوا الأولاد).

وبقيت دماء من قُتلوا عبر الزمن ملبدة على صفحات التاريخ وبين طيات الروايات أو مبصرة على شاشات السينما.. ثمة حروب كاذبة في واقعها، صادقة في ضحاياها .

ومنطقتنا فار فيها الدم منذ القدم، فيصبح السؤال المباشر: ألم يئن لذلك الدم أن يُصان ؟

أعتقد لو أنه تم استبدال عملة الدم بعملة أخرى، عملة تكون مانحة للحياة والاستبدال ضروري كفكرة تدوير المستهلك، تغير الأداة خير مما حدث عبر الزمن الممتد من موصلته بوقود الدماء، وأعتقد أن ذلك ممكن من خلال التجارة، فهي أداة تحرص على الحياة أكثر من حرصها على الموت، يطرأ في بالي هذا الأمر من قصص الدول التي دخلها الإسلام من خلال التجار المسلمين، دخل فيها الإسلام من غير خروج قطرة دم.. أولئك التجار كانوا حكماء حين ثبتوا الحياة بالتجارة المانحة للحياة والأحلام.

وإن تم سن هذا المبدأ، فكثير من الخلافات العقدية يمكن تصويب وتحسين كل ما من شأنه إصلاح الحياة للناس وسلامة أوطانهم، وهذا ليس قولاً مجانياً أو قولاً خاطئاً، فالخطأ ما تم ترسيخه في أذهان الناس بأن الحروب هي المنفذ لتصليح عقائد البشر.

00:00 | 24-02-2026

قطع الحلم الإسرائيلي الكاذب..

السفير (هاكابي) يكشف سر خارطة الطريق المستقبلية لإسرائيل... لم تكن تصريحات هذا السفير لإثارة زوبعة من الاحتجاجات والرفض، وإنما كانت جس نبض، وهي الطريقة التي استخدمتها إسرائيل عبر تاريخها الاحتلالي، فهي تلقي قنبلة أطماعها على صورة أقوال، ثم تمضي في مسيرتها الاحتلالية عبر السنوات (طالت أو قصرت)، وحين تفتح لها الأبواب تدخل بجسدها كاملاً، فتصريح هاكابي ليس تصريحاً عشوائياً، بل هو خطأ دبلوماسي فلت من بين فك هذا السفير للإعلان عن النيات القادمة.


نبدأ القول من الآن، في ظل تداعي النظام العالمي، وسقوط القانون الدولي، ودفن حقوق الإنسان، وتمكين إسرائيل من اختراق كل الأنظمة الدولية، وتمزيق القانون، وفعل ما تشاء وفق رؤيتها لما يضمن لها السير نحو (إسرائيل الكبرى). من هنا يصبح تصريح السفير بالونة اختبار، وإعلاناً عن استباحة الاستيلاء على الأرض والإنسان وفق ادعاءات تم الترويج لها مبكراً، وسبق ذلك تأسيس كذبة دولة إسرائيل، وإذا كانت النقوش والحفريات الأثرية هي الدليل على الوجود التاريخي لليهود في فلسطين، فقد تم خلق مرويات توراتية في تطابق الأرض مع المكتوب في التوراة، وقد تم إغفال تصريحات أكبر رجالات الآثار الإسرائيليين الذين لم يجدوا أثراً واحداً لمملكة داود، حتى أن كبيرهم عبَّر عن ذلك متأسفاً لداود بأنه لم يجد له مكاناً واحداً في فلسطين.


وإذا كانت إسرائيل متمسكة بالوعد الذي وهبه لهم النبي إبراهيم، فإبراهيم أبو الأنبياء ويصبح وعده لجميع أبنائه وأحفاده، وهذا يعني أن المسلمين من أحفاده ويحق لهم التمسك بأرضهم فهم من أبنائه.. هذا إذا أردنا السير على تلك المقولة الناقصة كأثر مادي لم يعثر عليه.. وإذا كان النظام الإسرائيلي اليميني دينياً يقتفي أثر المقولات التوراتية فهو اقتفاء أعمى؛ لأن المقولات قابلة للتزوير، وقابلة للخطأ، وقابلة للنفي.. كما أن هناك دراسات عديدة تنفي الوجود الإسرائيلي (اليهودي) في فلسطين، إلا أن القوة العالمية تحول بين الحقيقة والواقع.. ولأن القوي يصنع ما يشاء في وقته، وإن تغيرت تلك القوة تظهر الحقيقة لكي تتطابق مع الواقع.


تصريحات (هاكابي) تجاوزت التبجح، إلا أنها أظهرت ما يتم العمل عليه للوصول إلى كذبة (إسرائيل الكبرى)، وعلى الدول الموعودة بالالتهام العمل من الآن على منع أو قطع الحلم الإسرائيلي الكاذب.

00:13 | 23-02-2026

هل هناك جيل تائه في هذا الزمن؟

ما زلت في دهشة كلما ارتهنت إلى المقاييس الزمنية السابقة لقياس المتغيّرات، لكن غدا واضحاً، لم يعد هناك ثبات اللحظة، ففي كل ثانية ينقلب العالم رأساً على عقب، فالمتغيّرات تتسابق، والقياس مختل إن ارتهنت على قياسك القديم. نعم سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (الحركة هناك)، مشيراً إلى أننا نعيش في زمن فائق السرعة حتى أن المقاييس القديمة للحكم على السرعة أو البطء للمجتمعات لم تعد قادرة على القياس، ومع ذلك ما زالت الحركة هي سيدة القياس.

فالحركة من أهم مقوّمات الحياة، فالمجتمعات تشكّل تنوعاً بشرياً يخضع لتلك الحركية، فالمجتمعات الثابتة لا يمكن لها التناغم مع المعطيات المستحدثة، كون الثبات هو السكون، وفي تلك الحركة الدائبة لا يمكن لأي جزء من أجزائها أن يكون ثابتاً متخلفاً عن الحركة العامة، فكل مكوّنات تلك المجتمعات تكتسب حركية الحياة ذاتها بحيث تتناغم مع السرعة الواجب إحداثها تشكّلاً مع المتغيّرات الدافعة للسير للأمام، وأي تلكؤ -لأي مجتمع- أو تقاعس يؤثر تأثيراً سلبياً في وجوده بين المجتمعات المتحركة.

طرأ في البال جدلية الثابت والمتحرك وأنا أتابع لقاءً مع مسؤول ثقافي عربي يتحدث عن الثوابت الثقافية التي تعتبر حجر الزاوية في قرارات المنشأة التي يترأسها، وأن تلك الثوابت لا مندوح عن الافتراق عنها قيد أنملة، وطال حديثه عن تلك الثوابت التي تجاوزها الزمن والواقع بمعطيات حياتية وثقافية متجدّدة تسخر من تلك الثوابت.

الزمن يغيّر ثوابته، ممكن أن تظل تلك الثوابت القديمة محفوظة في الكتب، أو في الذكريات إلا أن سرعة المتغيّر سيمحو الكثير منها؛ ولذا صدقت مقولة علي بن أبي طالب (ربوا أولادكم لزمن غير زمنكم) - المقولة ليست نصية وإنما تعني ذلك المعنى.

ومن لم يُربَّ لأزمنة لم تمر بآبائه وأجداده، سيكون الآن في تيه.

وفي اعتقادي أن حركيّة الزمن لا تبقي أي شأن من شؤون الحياة في حالة ثبات مطلقاً، فكل مكوّناتها تتحرك دفعة واحدة، فالثوابت تعني الموات لمن يتمسك بها، ومن يريد السير مع حركيّة الحياة عليه تجديد ثوابته، ففي كل فترة زمنية هناك ثابت قابل للتغيّر بما يتناسب مع حركيّة الواقع، فالمعطيات المستحدثة تغيّر أصل كل ثابت، فليس هناك ثوابت تظل جامدة لمئات أو عشرات السنوات، بل يوجد لكل منحى حركة تتلاءم مع واقعها، وهذا لا يعني الاستلاب أو الابتزاز وإنما يعني أن جوهر ما تؤمن به لديه طاقة متجدّدة قادرة على البقاء والنمو عبر كل التشكيلات الزمنية.

فالهوية الثقافية أو الدينية ما لم تكن قادرة على الانتقال عبر الزمن، ستكون في المؤخرة مهما ادعينا تناسب تلك الثوابت مع المتغيّرات المتلاحقة التي تحدثها حركية الحياة.

ومن يتابع الحركية الفائقة للمملكة يرى أنها قطعت مسافات شاسعة من النمو في جميع المجالات بعكس عمّا كانت عليه، فالقرارات السيادية التي اتخذها الأمير محمد بن سلمان أدّت إلى الانفكاك من الثبات صوب الحركة الفاعلة ذات التصاعد؛ لأن كل نجاح يؤدي إلى نجاح. ونحن- ولله الحمد- نتقدّم بالفعل الحركي الحادث، الذي يستهدف بلوغ المستقبل بأفضل النتائج.

00:00 | 18-02-2026

علَّ أحدهم يأتي

ليس هناك أيّ رثاء يمكن له أن يكون محيطاً لما تشعر به.. وسعيد السريحي محيطٌ لا تحتويه المفردات.

سعيد لا يموت في داخلي، ولا أستطيع استيعاب فقده حتى أنني لم أحضر دفنه؛ لكي لا أتأكد أنه رُدِم تحت التراب.. أحبتي الأموات أحياء في حياتي، أبقيهم كما هم، مع التطعيم بقناعة أنهم على سفر، وأزور حساباتهم في مواقع التواصل، علَّ أحدهم يفيق من سفره، بعد أن ينفض التراب عن جبينه، بحثاً عن ماء يتخلص به من وعثاء السفر، كل من سافر من أحبتي لم يعد، وأظلّ في انتظاره على أرصفة العائدين، أمي الوحيدة التي تزورني للاطمئنان على وفائي لها بالبقاء محبّاً، كاشفة الدمغة التي أوسمتني بها ذات طفولة:

- الحياة حبٌّ، فلا تعش من غيره وتغادر أحلامي، بعد أن تشير للطريق الذي عليّ أن أسلكه ذات يوم؛ لكي التقي بكل أحبتي.

- أكان علينا شق غمام الغياب؟ كل سفر حبيبٍ أوسع معه مساحة الأرصفة التي أفترشها، وتلويحة الوداع لا أظهرها علّه يأتي من بعد غياب فاحتضنه كما لم أفعل ذات يوم.. كل الراحلين يجتمعون في نقطة وحيدة، وكل وقت، وأنا أحلم بإزاحة ستار البرزخ، لأقول لهم:

- طال الغياب، فجئتكم. ربما تفرح أمي بتلك الزيارة، أمي التي حملتني تسعة أشهر، سأطالبها بأن تعيدني جنيناً في بطنها.. نحن لا نستطيع أن نعيش من غير رحم يحمينا من كبد الدنيا.. وأنا منذ زمن طويل أبحث عن رحم ينجيني من بكاء الفقد، فقدت أحياء كثيرين، وأمواتاً كثيرين، وليس هناك من ملجأ إلا الانتظار على أرصفة المودعين علَّ أحدهم يأتي.

00:05 | 16-02-2026

كيف يمكن إيقاف التهام الضفة؟

ما يحدث من التهام للأراضي الفلسطينية اليوم هو نتاج لطوفان القدس، ذلك الطوفان الذي أغرق القضية، ودمّر الأرض، وقضى على البشر، وأدّى إلى تغيّرات جذرية في النظام العالمي، ومكّن إسرائيل من فعل ما لم يُفعل عبر سنوات احتلالها الطويلة، الآن لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب، ولا يفيد لوم حماس التي كُلّما تلقت لوماً أمعنت في اتخاذ القرارات الخاطئة، وبعد كل فعل عشوائي تتخذه يكون رضوخها لشروط إسرائيل مذلاً، وهذا أمر طبيعي، فالضعيف يسحق إن لم يكن ملمّاً بظرفه، وظرف عدوه..


سنتان ونصف دُمّر كل شيء في غزة، ولم يعد هناك إلا مُسمّاها الذي ربما يتغيّر من إدارتها الجديدة. والآن تحاول إسرائيل التهام الضفة الغربية، متعمّدة القضاء على فكرة الدولتين،وهو ما استنكرته الدول الثماني العربية والإسلامية.. وها هي شعوب العالم تخرج مندّدة، وقبلها دول عديدة.


7 أكتوبر كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، فماذا تبقى من مقاومة تدّعيها حماس؟


طوفان الأقصى ارتد ارتداداً عكسياً على القضية، وعلى النظام العالمي، وأبشع نتيجة تقويض النظام العالمي، وفتح ملعب (كل مين إيده إلو).


الأيام تتسارع، وإسرائيل تتمادى في البطش، واحتلال ما لا يُحتل، هذا القول ليس استسلاماً، وإنما بحث عن فكرة توقف هذا العبث.

00:09 | 10-02-2026

نسخة إعلامية غير مسبوقة

منتدى إعلامى غدا الوصف دليلاً عن جماله.من أين؟ علينا البدء في ذكر جمال المنتدى السعودي للإعلام؟

أحياناً يبهرك الجمال فلا تجد مفردات تسعفك لإظهار تلك الصفة أو الصفات التي تميز بها المنتدى.

حقا، كان مبهراً، ففي هذه النسخة (٢٠٢٦) سجل المنتدى إنجازاً عالمياً، وقد وصُف إعلامياً بأنه غير مسبوق بدخوله إلى موسوعة (غينيس) للأرقام القياسية كأكبر حدث إعلامي في العالم من حيث عدد الحضور، وإن أردت الاستدراك على هذا الخبر لا بد من إضافة ليس عدداً، فالحضور ليس رقماً بل كيفية الحضور، وعمقهم الإعلامي، وإدراكهم بما يقتضيه الإعلام فعله، الآن، ومستقبلاً، فقد حضرت طاقات إعلامية عالمية، أحدثت تفاعلاً.. حضوراً ومناقشة، وبث آراء، وإجابات أو حلول لما يعترض تدفق الرسالة الإعلامية.

والمملكة في تنشيط دورها العالمي قد وضعت الإعلام محوراً رئيساً في حركتها الراهنة والمستقبلية، فإذا كان شعار العولمة يرتكز على ثلاثة محاور: (الإعلام والثقافة والاقتصاد)، فسوف نجد أن بلادنا نشطت نشاطاً فاعلاً في هذه الركائز، نشاطاً أثمر نجاحات فذة في تلك الجوانب.

والإعلام لدينا اتسعت رئته في صناعة المحتويات المترامية الأطراف، وكل فرع من فروع الإعلام تمت تقويته بالطاقات البشرية الواعية بكل ما يدور في العالم من أحداث، ومعوقات كإحاطة وإلمام بما يجب على إعلامنا سلوكه كطريق موصل للنجاح.

23:30 | 7-02-2026

كيف تنظر إلى نفسك من الخارج..؟

بدءاً يمكن الإشارة عن الأثر الذي يترك بصمة في منطقة مكة المكرمة، وهي إشارة أرى أنها جاذبة، ففي المحافظات والقرى، لا تدخل التنمية بضجيج المدن، ولا تُعلن عن نفسها بخطابات عالية النبرة، بل تأتي هادئة، تمشي على مهل، وتبقى طويلًا قبل أن يُلتفت إليها، هناك، حيث التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق، وحيث الأثر الحقيقي يُقاس بما يبقى لا بما يُقال.

من هذا المعنى، بدا المنتدى الثاني لجمعيات محافظات وقرى منطقة مكة المكرمة أشبه بلحظة وعي جماعية، توقّف فيها العمل الخيري أمام مرآته، لا ليسأل عن نُبل المقصد، فذلك محسوم، بل عن جودة الأثر، وعمق ما يُترك بعد انقضاء المبادرات.

في جدة، اجتمعت الجمعيات القروية؛ لتطرح السؤال الأصعب: ماذا نترك بعد أن ننتهي؟ أثراً يُبنى عليه، أم ذكرى سرعان ما تخفت؟ هنا تحديداً، خرج العمل غير الربحي من خانة الواجب الأخلاقي وحده، إلى مساحة أوسع، كمسؤولية وطنية، وركن من أركان التنمية المستدامة.

لم يعد النجاح يُقاس بعدد المبادرات، ولا حتى بحجم الإنفاق، بل بقدرته على أن يُترجم إلى مؤشرات واضحة، وأثر يمكن تتبعه وتطويره، وحين تتحدث المؤشرات الوطنية عن مليارات الريالات، ومئات آلاف من المتطوعين والمتطوعات، يُصبح السؤال الجوهري: كيف نعرف أننا نفعل الصحيح؟

في هذا السياق، جاء الحديث عن مؤشرات الأداء، والعائد الاجتماعي على الاستثمار، ونظرية التغيير، كلغة جديدة للعمل الخيري؛ لغة يفهمها المجتمع، ويطمئن إليها الداعم، ويعتمد عليها صانع القرار، لغة تنقل العمل إلى فضاء المنهج والمعرفة.

الورش والجلسات التي احتضنها المنتدى، كانت أشبه بمحاولات جادة لتعليم الجمعيات كيف تنظر إلى نفسها من الخارج، كيف تروي قصتها دون مبالغة، وكيف تقيس أثرها دون خوف، وكشفت عن قصص نجاح قروية صادقة، تقول إن هذا الطريق ممكن، وإن الأثر القابل للقياس ليس حكراً على المدن الكبرى، بل يمكن أن يولد من قلب القرى.

وفي امتداد هذا التفكير، صاغ المنتدى توصياته، وطرح فكرة منصة وطنية لقياس الأثر، وبنى جسور شراكة مع الجامعات ومراكز البحث، وكأن المعرفة قرّرت أخيراً أن تغادر القاعات المغلقة، وتمشي في طرق القرى، وتبقى مع أهلها، وتستمع لتجاربهم.

الرسالة كانت واضحة، وإن قيلت بهدوء: العمل غير الربحي لم يعد هامشاً في دفتر التنمية، بل أصبح سطراً أساسياً فيه، فهو قطاع منظم، وقادر على أن يكون شريكاً حقيقياً في بناء الاقتصاد والمجتمع.

المنتدى الثاني لجمعيات محافظات وقرى منطقة مكة المكرمة، في جوهره، كان أشبه بإعلان عمّا يجب أن يكون؛ في صورة انتقال إلى الأثر المستدام، والمبادرات المنهجية المؤسسية، والقدرة على حمايته واستدامته.

ربما هذا هو المعنى الأعمق لما جرى في جدة، أن تتعلم الجمعيات الخيرية كيف تُحصي خطواتها، لتترك أثراً لا يزول بانتهاء الفعل، بل يبقى شاهداً على تنمية تعرف طريقها، وتدرك مسؤوليتها.

00:02 | 29-01-2026

عواصم العالم وموسيقانا الجاذبة

الفنون الموسيقية هي حاملة للإرث الموسيقي، والهوية الثقافية الوطنية بين الأجيال المتتابعة، كما تعدّ مصدراً اقتصادياً مهماً مع انتشارها وترسّخها في المحافل الدولية.

وخلال السنوات المتأخرة حظيت موسيقانا بالاهتمام الرسمي والشعبي، وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (فنوننا تصدح عالمياً) مفتوحاً ذلك المقال بسؤال (هل وصل إلى أسماعكم ما تحدثه موسيقانا من وجد وولع في العالم؟).

وكان سؤالاً تحفيزياً لمتابعة ما يحدث في العالم من قوى ناعمة تصدرها بلادنا كوجود إنساني موغل في الزمن، والإيغال مقترن بوجود الإنسان زمنياً ومكانياً.. وآخر حضور لفنوننا الموسيقية هو ما حدث في مدن العالم، فقد تنوّعت الاحتفالات العديدة على مستوى العواصم العالمية..

نعم، جاء زمن لم تكن لدينا فرقة موسيقية تستطيع المراهنة على أدائها في المحافل الدولية، نعم كان لدينا فنانون رائعون إلا أن الظرف الاجتماعي قلَّص اندماجهم في المشاركة الجادة، ذلك التجمّد الاجتماعي سحب اهتمام مبدعين كثر من مواصلة الإبداع الخاص بهم، ففضلوا الابتعاد عن (وجع الرأس) الذي يأتي من قبل بعض أفراد المجتمع لوماً وتحريماً لمن يشارك غناء أو موسيقى. هذا الموقف الاجتماعي أدّى إلى ضياع كثير من المواهب، وتبقى القلة كمحافظين على الإرث الغنائي مع الإسهام في تطويره.. ومع ظهور هيئة الثقافة واهتمامها بهذا الجانب، مكّنتنا من إظهار تفاخرنا بوجود الأوركسترا والكورال الوطني السعودي من خلال فرقة موسيقية وطنية.

هذه الفرقة تجوب عواصم العالم وتحصد الإعجاب بما تقدّم من إرثنا الغنائي والموسيقي والأدائي.

وقد دأب المسؤولون على اجتماع هيئتَي الموسيقى والمسرح والفنون الأدائية على تقديم الإرث الحقيقي من تراثنا الغنائي جنباً إلى جنب.. ولكون الموسيقى إرثاً إنسانياً تخاطب الوجدان، وحضورها في أي مكان هو تأكيد على اللغة الموحّدة بين شعوب العالم، تلك اللغة التي يستوعبها الإنسان في أي جهة كانت، فشاركت هذه الموسيقى السعودية في باريس، والمكسيك، ونيويورك، وآخر ظهور فاخر لهذه الهيئة الموسيقية ما حدث في مدينة (سيدني) بأستراليا..

وحضورنا في أي مسرح غنائي ندمج بين فنانينا وفناني البلد المضيف لأداء ألحاننا المحلية، ولذا شارك كبار الموسيقيين العالميين في عزف الفنون السعودية كالمجرور والخبيتي والسامري والمزمار، ودمج العازفين السعوديين مع عازفي البلد المستضيف لخلق تناغم موسيقي إنساني رائع.

هذا المجهود الموسيقي الكبير بحاجة إلى الإشادة لفنانينا المشاركين في كل محفل وإبراز طاقتهم من خلال إعلام يواكب ما يحدثها ويقدّمه فنانونا الشباب من روائع فنية جدير بها أن تتصدّر وسائل الإعلام المحلية على الأقل.. ومن الأمور التي يستوجب على الإعلام فعلها تقديم أولئك الفنانين في برامج فنية كإشادة لما يتم تقديمه على المسارح العالمية.

وما تشاهده العين تعجز الكتابة من تجسيد ما كان حادثاً على المسرح، عشرات الشباب والشابات في تناغم موسيقي أخّاذ يسلب الدهشة والفرحة معاً.

23:55 | 26-01-2026