أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/372.jpg&w=220&q=100&f=webp

أسامة يماني

لماذا نهتم بالتاريخ؟    

التاريخ أشمل وأعم من أحداث ووقائع ماضية وقصص ومرويات وتراث بين صفحات الكتب.

التاريخ هو سجل خبرات البشرية وذاكرتها، تكمن أهميته في فهم الحاضر عبر جذور الماضي، استخلاص الدروس لتجنّب أخطاء السابقين، وبناء الهوية الوطنية والثقافية للأفراد والأمم. كما يعزز الوعي الإنساني، يطوّر مهارات التفكير النقدي، ويساعد في التخطيط لمستقبل أفضل من خلال تحليل تجارب الأمم.

التاريخ مهم لأنه ثقافتنا وهويتنا وأحد أسس أدوات التفكير والتخطيط. التاريخ المعلم الأول الذي نتعلم من تجاربه وتراكم خبراته، ويساهم في تطوير العلوم الاجتماعية، والسياسية، والوعي الجماعي بالتطور البشري، مستنداً على نقد وتحليل الوثائق والآثار.

المعضلة التي تعاني منها مجتمعاتنا تكمن في عدم نقدنا للتاريخ والتمسك المطلق بمفهوم كمال التراث الإسلامي الذي يؤدي إلى عدد من العيوب والمشاكل، منها: جمود الفكر ومقاومة التغيير والتجديد، حيث يُنظر إلى أي محاولة لتطوير أو نقد التراث على أنها تخل بكماله. إن المعوقات في مواجهة التحديات الحديثة في مجتمعاتنا الإسلامية تظهر خطورة مفهوم كمال التراث على مواكبة العلوم الحديثة وقد تحول دون معالجة التحديات المعاصرة بأساليب جديدة تتماشى مع تطورات العصر الحديث، سواء في العلوم أو التكنولوجيا أو غيرها. إن تجاهل السياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي نشأ فيها التراث، وبذلك قد يُساء فهم الغايات والظروف التي استدعت بعض الأفكار والممارسات. كما يسيء فهم مفردات التراث ودلالتها. والمشكلة أن البعض يتصوّر الحياة في القرون الماضية بواسطة منظورهم للحياة الآن ما يؤدي إلى عدة استنتاجات خاطئة ونتائج سلبية. وعلى سبيل المثال النظافة والصحة في القرون الماضية قبل العصر الحديث، كانت أقل تطوراً، مما أدّى إلى انتشار العديد من الأمراض والأوبئة. ومن الطبيعي أن انعكست هذه المعرفية في كتبهم وثقافتهم وعاداتهم. ثم إن التعليم والمعرفة المحدودة كان مقتصراً على النخبة في القرون الغابرة، وغالباً ما كان تحت سيطرة الدولة وكل ذلك انعكس في التراث. غير أن المهم أن نتذكر أن هذه النتائج تظهر الفُرُوق في الزمن والتقدم الذي حققته البشرية، ويجب النظر إليها بفهم للسياق التاريخي والثقافي لكل حقبة. لهذا من الخطأ تصوّر الكمال في التراث.

إن النقد الموضوعي للتراث لا يعني أبداً هدمه أو رفضه جملة وتفصيلاً، بل هو محاولة لفهم آلياته وقواعده التي نشأ فيها، والتمييز بين المبادئ والقيم الكبرى التي تشكّل جوهر الهوية، والمتغيّرات التي كانت استجابة لظروف تاريخية محددة ولم تعد صالحة للحل. نحن بحاجة إلى «فقه تاريخي» للتراث، نعيد فيه قراءة النصوص والممارسات في سياقاتها لنستخلص المقاصد الكبرى لا الجزئيات الجامدة. فالمطلوب ليس الانسلاخ من الماضي، بل استيعابه نقدياً وتحويله إلى مصدر إلهام للتجديد، لا إلى عائق يحول دون الابتكار. بهذه الطريقة فقط يمكننا تحويل التراث من «عبء» إلى «قوة دفع» نحو المستقبل.

الشرق الأوسط أمام هجمة استعمارية تقوم على مجموعة من الأسس والمفاهيم الفكرية، الاقتصادية، والسياسية التي تهدف إلى إخضاع الشعوب واستغلال مواردها. وقد تطوّرت هذه السياسات عبر الزمن لتشمل السيطرة العسكرية، الفكرية، والاقتصادية. ومن هذه الأسس الفكرية المركزية العرقية والتفوق الحضاري التاريخي الذي يقوم على الاعتقاد بأن الشعوب المستعمرة أدنى شأناً، وأن الثقافة الغربية هي الأعلى والأكثر تطوراً، مما يمنح المستعمر «الحق» في السيطرة. وإثارة الفتن والنزاعات العرقية، الطائفية، أو القبلية داخل المجتمع المستعمر لإضعاف وحدته وتسهيل السيطرة عليه. الاستعمار الثقافي والفكري الذي يسعى لمحو هوية الشعوب المستعمرة (اللغة، الدين، التقاليد) وفرض لغة وثقافة المستعمر، لضمان التبعية طويلة الأمد؛ ينطلق من أن التاريخ صنعه المستعمر الذي سرق الجغرافيا وخلق تاريخ المنطقة.

فهمنا للتاريخ وإعادة دراسته بأعين شرق أوسطية وتطهيره مما أدخل عليه من الدراسات الغربية أو السياسية والسلطويّة بغرض تسخيره لأهداف مشبوهة. هذا الفهم المُحرر للتاريخ، وإعادة دراسته بأعين شرق أوسطية واعية، لا يدعو إلى الانعزال عن الفكر العالمي أو رفضه، فالعلوم والمعارف الإنسانية تراكم عالمي، وإنما يدعو إلى تطهير الرواية التاريخية مما علق بها من تشويه مقصود أو تزييف خدمة لأجندات سياسية أو استعمارية، واستعادتها كأداة للتمكين الحضاري والنهضة الشاملة، لا كسيف للماضي يُحجب به نور المستقبل.

00:25 | 27-02-2026

رحل الفيلسوف مراد وهبة

رحل الدكتور الفيلسوف المصري مراد وهبة -يرحمه الله- بعد حياة حافلة قاربت المئة عام، قضاها في العطاء الفكري الذي أثرى الفلسفة العربية المعاصرة. وُلد في أسيوط (13 أكتوبر 1926)، ودرس الفلسفة ليصبح أستاذاً لها في جامعة عين شمس. شغل عضوية عدد من المؤسسات الفكرية الدولية، وكان المؤسس والرئيس للجمعية الدولية لابن رشد والتنوير. ذُكر اسمه في موسوعة الشخصيات العالمية كواحد من أكثر الشخصيات تأثيراً.

وقد كان مهتماً بتبسيط الفلسفة للجمهور. ولد مراد وهبة في 13 أكتوبر عام 1926 بمحافظة أسيوط، ودرس الفلسفة ليصبح لاحقًا أستاذًا لها في جامعة عين شمس، كما شغل عضوية عدد من المؤسسات الفكرية والفلسفية الدولية، وعُرِف طوال حياته بدفاعه المستمر عن التنوير وسلطة العقل. وترك الراحل مراد وهبة رصيدًا مهمًا من المؤلفات الفكرية التي شكّلت علامات بارزة في مسار الفلسفة العربية، من بينها كتابه المرجعي «المعجم الفلسفي»، وكتاب «رباعية الديمقراطية»، إلى جانب أعماله الأخرى ومنها كتاب «ملاك الحقيقة المطلقة»، و«الأصولية والعلمانية»، و«جرثومة التخلف»، و«قصة الفلسفة»، و«مدخل إلى التنوير»، و«سلطان العقل».

يُعد الفيلسوف وهبة أيقونة التنوير في العالم العربي، فقد اهتم بالإبداع في العملية التعليمية، ويُعد «المعجم الفلسفي» من أعظم ما كتب وهبة؛ حيث يُعْتَبَر من أهم المعاجم الفلسفية الحديثة في العالم العربي، ويشمل المفاهيم الفلسفية، مع شرح لأهم الفلاسفة وأفكارهم الأساسية وربطها بالتطوّرات الفكرية عبر العصور.

إِنَّ مراد وهبة مثَّل نموذجًا مغايرًا لأستاذ الفلسفة التقليدي؛ إذ لم يتعامل مع الفلسفة بوصفها معرفة جامدة أو معزولة عن الحياة، بل ارتبطت لديه بالشارع وبقضايا المجتمع، وشعر بمسؤوليته تجاه الواقع، فكان حاضرًا في الفعاليات والمؤتمرات العامة، مؤكدًا أن احتفاءه بابن رشد كان في جوهره احتفاءً بقيم التنوير والإصلاح الديني.

ومن أقواله: «نحن محكومون بالموتى وليس الأحياء» (يقصد التراث)، و«التنوير حتمي لأنه الشرط الوحيد لتحرير الإنسان من فخ الكراهية». و«التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق». عن العقلانية: «اقرأ لتفكّر، لا لتُردد». عن الحرية: «الحرية شرط للعقل، والعقل شرط للحرية». عن العنف: «حين يغيب التفكير العقلاني، يظهر العنف بوصفه اللغة الوحيدة المتاحة». عن التنوير: «التنوير لا يعني مجرد نزع الغيبيات، بل نزع التسلّط عنها». عن التفكير: «حين يتحوّل العقل إلى تابع، يصبح الإنسان فرداً في قطيع».

ويقول الدكتور وهبة: «حين يغيب التفكير العقلاني، يظهر العنف بوصفه اللغة الوحيدة المتاحة»، و«التنوير حتمي لأنه الشرط الوحيد لتحرير الإنسان من فخ الكراهية». و«الحرية شرط للعقل، والعقل شرط للحرية». فكل فكر لا ينطلق من هذا التلازم مصيره أن يتحوّل إلى أداة قمع جديدة. و«الفلسفة ليست أن تحفظ أفلاطون أو ديكارت، بل أن تسأل أسئلتهم في زمانك». و«نحن في حاجة إلى ثورة عقلانية تبدأ من الذات وتنتهي بالمؤسسات».

رحل الفيلسوف العظيم، لكن إرثه التنويري يظل نبراسًا يُضيء درب العقلانية في فكرنا العربي. لقد حوّل الفلسفة من جدل أكاديمي إلى أداة حية لفهم الواقع وتغييره، مؤمنًا بأن تحرير العقل هو المدخل الوحيد لتحرير الإنسان. لقد كان وهبة ضميرًا حيًا للأمة، يذكرها بأن مستقبلها مرهون بقدرتها على التساؤل والنقد والتفكير المستقل.

00:24 | 20-02-2026

حكاية الديمقراطية

لمعرفة الديمقراطية لابد من الحفر والبحث عن الجذور، دون الحفر والنبش عن أصل الشيء يصعب استيعابه وفهمه. وكما قيل الحكم على الشيء فرع من تصوره، فلا يتأتى أن تعرف الديمقراطية في منأى عن أصولها ونشأتها وحاضنتها. الديمقراطية ليست صندوق الانتخابات ولا الأحزاب أو التيارات السياسية. يقول الدكتور الفيلسوف المصري مراد وهبة في كتابه رباعية الديمقراطية مكوّنات الديمقراطية من وجهة نظره، إن العَلمانية هي المكوّن الأول الرئيسي للديمقراطية، وأنه لا مشروع ديمقراطي حقيقي بدون أن تكون العَلمانية هي الأساس الذي يُبنى عليه هذا المشروع، بالإضافة إلى الليبرالية التي تعتبر المكوّن النهائي للمشروع الديمقراطي، وبينهما التنوير والعقد الاجتماعي.

نشأ مصطلح الديمقراطية في القرن الخامس قبل الميلاد، في كتاب «تاريخ الحرب البليبونيزية» للمؤرِّخ اليوناني *ثوسيدس*، عندما ذكر عبارة أحد رجال الدولة في أثينا: «إن أثينا هي نموذج الديمقراطية؛ لأن دستورنا لا يحاكي قوانين الدول المجاورة، إنما هو نموذج للآخرين. ننحاز للأغلبية، وقوانيننا عادلة للكل، ونعظّم الموهبة على أساس التميُّز وحده». توضِّح العبارة شكل الديمقراطية في أثينا وقتها، والتي انتهى مسارها نهاية مؤسفة بعد حربهم مع إسبرطة، والتي دُمرّت فيها اليونان تمامًا، وتم احتلالها عام 404 ق.م.

وإثر الهزيمة المؤسفة لأثينا، رأى أفلاطون أن الديمقراطية سبب الهزيمة. ودعا للحكم المطلق، أي حكم الإله، وبتطبيق الحكم المطلق على الأرض فإن الحاكم هو (الفيلسوف) لأنه الوحيد القادر على الحكم في المدينة الفاضلة... وأدّى ذلك إلى غياب لفظ الديمقراطية لمدة ألفي عام، كانت الدراسات السياسية متوقفة فيها على دراسة الحكم الملكي، أو حكم الطبقات الأرستقراطية.

يرى الفيلسوف الدكتور مراد وهبة أنّ العلمانية بكسر العين خطأ شائع بين طائفة المثقفين. أما عند الفرنجة فالعلمانية تعنى العالَم المتزمن بالزمان، أي عالم له تاريخ، ومن هذه الزاوية تقوم العلمانية على العالم الزماني والنسبي، أي المتحرر من الصيغ المطلقة. ويذهب إلى أن نظرية «دوران الأرض» تعنى أن الأرض لم تعد مركزًا للكون، وعندما لا تكون الأرض مركزًا للكون لا يكون الإنسان بدوره مركزًا للكون، وعندما لا يكون الإنسان كذلك فلن يكون في إمكانه امتلاك الحقيقة المطلقة، ويترتب على ذلك أن يكون الإنسان محكومًا بما هو نسبي، وحتى لو تطلع إلى اقتناص المطلق فلن يكون في إمكانه اقتناصه، «التفكير في النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق»، ومن هنا يمكن القول بأن العلمانية أسلوب في التفكير قبل أن تكون أسلوبًا في السياسة.

إذا كانت العَلمانية المكوّن الأول للديمقراطية فالمكوّن الثاني نظرية العقد الاجتماعي التي نشأت في القرن السابع عشر مردودة إلى مفهوم «الموافقة» للفيلسوف الإنجليزي جون لوك. وهنا يثور السؤال ما العلاقة بين نظرية العقد الاجتماعي والموافقة؟ أثار لوك هذا السؤال في كتابه المعنون «رسالتان عن الحكومة».

في الرسالة الأولى الفكرة المحورية تدور حول تدمير مبدأ الحق الإلهي للملوك، وفي الرسالة الثانية الفكرة المحورية تدور حول أصل المجتمع، إذ المجتمع لم يكن موجوداً مع بداية وجود بني البشر، وإنما الذي كان موجوداً هو ما يسميه لوك «حالة الطبيعة»، حيث كل إنسان هو قانون نفسه. ولهذا لم يكن ثمة سلام، فالضعفاء لم يكن لديهم من يحميهم من الأقوياء، والأقوياء أنفسهم كانوا في ذعر من منافسيهم، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى تكوين مجتمع بـ«عقد اجتماعي» ينص على «موافقة» البشر على التنازل عن بعض حقوقهم لحاكم يأتي بإرادتهم في مقابل أن يحقق لهم الأمن والأمان. وينتهي الفيلسوف وهبة إلى أنه يلزم من ذلك أن يكون سلطان الحاكم سلطاناً نسبياً وليس سلطاناً مطلقاً.. ومن هنا تكون نظرية العقد الاجتماعي مؤسسة على العلمانية بحسب تعريفه لها بأنها «التفكير في النسبي» بما هو نسبي وليس بما هو مطلق.

المحور الثالث التنوير إذا كان سلطان الحاكم – في نظرية العقد الاجتماعي عند الفيلسوف الإنجليزي جون لوك – سلطاناً نسبياً وليس سلطاناً مطلقاً بدعوى أن الشعب وليس الله هو الذي أتى به حاكماً فإنه يكون بالضرورة علمانياً لأنه يفكر في إطار ما هو نسبي وليس في إطار ما هو مطلق، وإذا كان الحاكم علمانياً فهو بالضرورة متسامح، لأن التسامح يستلزم قبول الاختلاف.

ما التنوير؟

الجواب الشائع عن هذا السؤال هو جواب كانط في مقالته المشهورة بعنوان «جواب عن سؤال: ما التنوير؟»، التنوير هو إعمال العقل من غير معونة الآخرين، الأمر الذي يمكن معه القول بأنه لا سلطان على العقل إلا العقل نفسه. ومعنى ذلك أن لدى كل منا عقلين: عقل يفكر ثم ينعكس على ذاته فيكوّن عقلاً آخر يفكر فيما نفكر فيه، وهذا العقل الثاني هو العقل الناقد.

المكون الرابع الليبرالية. Liberalism وهو مشتق من اللفظ اللاتينى liberalis

ومعناه الإنسان الحر. وقيل إن نشأة الليبرالية ملازمة لنشأة الرأسمالية بدعوى أن الرأسمالية هي الطريق إلى تحقيق الغاية من الليبرالية وهي حرية الفرد.

وهكذا، لا تظهر الديمقراطية كنظام سياسي جاهز، بل تتجلى كمشروع فكري متراكم، بُنِيَ على أسس فلسفية متعاقبة. فهي ثمرة عقل نقدي يؤمن بالنسبية (العلمانية)، ويرسّخ السلطة في إرادة الجماعة (العقد الاجتماعي)، ويحرر الفكر من الوصاية (التنوير)، وينطلق من حرية الفرد كقيمة عليا (الليبرالية). إنها، في جوهرها الفكري، رحلة طويلة للإنسان نحو حكم نفسه بنفسه، بعيداً عن المطلقات التي تسلبه إرادته.

00:06 | 13-02-2026

إستراتيجيات القوى العظمى في رسم نظام العالم الجديد..!

تسعى الولايات المتحدة الأمريكية جادة إلى إدارة التراجع والحفاظ على التفوق النوعي. وهو ما يشكّل أحد التحديات في مواجهة النظام العالمي الجديد. ويتمثل الهدف المركزي للولايات المتحدة الأمريكية في منع ظهور منافس مهيمن على الساحة العالمية، وخاصة الصين، مع الحفاظ لأطول فترة ممكنة على امتيازات القيادة العالمية. لهذا تركز أمريكا على الإستراتيجية العسكرية التي تقوم على الانتقال من «حروب مكافحة الإرهاب» إلى الاستعداد لصراع تقليدي كبير مع نظيره (الصين). هذا يفسر اهتمام أمريكا على تركيز الوجود العسكري في المحيطين الهندي والهادئ، وتطوير أسلحة متطورة (أسلحة فوق صوتية، الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة، حرب الفضاء)، فضلاً عن الاعتماد على شبكة من التحالفات (أوكوس، كورال QUAD، الناتو المُوسَّع) لاحتواء الخصم. ومن الناحية الاقتصادية تقوم الإستراتيجية الاقتصادية والتكنولوجية على محاولة إعادة بناء قاعدة التصنيع المحلي (قوانين مثل «تخفيض التضخم») لجعل سلسلة التوريد الحيوية أقل اعتماداً على الصين، و«الصمود الاقتصادي» باستخدام العقوبات المالية والرقابة على التصدير التكنولوجي المتقدم (أشباه الموصلات) كسلاح إستراتيجي لإبطاء تقدم الخصم، والتركيز على «التقنيات الأساسية» مثل الذكاء الاصطناعي، الحوسبة الكمومية، والطاقة النظيفة كميدان للتنافس، أما في ما يخص الجبهة الداخلية في أمريكا فهو يتركز في معالجة الاستقطاب السياسي والاجتماعي الذي يهدّد قدرة أمريكا على التحرك بشكل متسق وإستراتيجي على الساحة الدولية.

إن تحدي أمريكا وعدم قبول فكرة أنها لم تعد القوة الوحيدة المهيمنة «شرطي العالم» سيكون له تبعات كبيرة ومؤثرة.

الصين وتوجهاتها قد لا تكون عقبة في مواجهة النظام العالمي الجديد. غير أن فكرة إعادة مركزة النظام العالمي تحت القيادة الصينية، الذي يهدف إلى استعادة مكانة الصين «المركزية» في العالم، وخلق نظام دولي يتوافق مع قيمها وسيادتها، وينهي «قرن الإهانة».. يجعلنا أمام استبدال قوة تهيمن بدلاً من أخرى.

روسيا تنحو إلى الحفاظ على مكانتها كقوة عظمى لا يمكن تجاهلها. تعتبر أن النظام أحادي القطب بقيادة أمريكا تهديداً وجودياً لأمنها ونموذج حكمها.. لهذا تريد أن تكون المحور الذي يتوازن عليه العالم، والقوة التي لا يمكن اتخاذ أي قرار عالمي كبير بدونها. ومن هنا يمكن أن نستنتج أن روسيا لا تشكّل عقبة أو تحدياً نحو تشكّل نظام عالمي جديد.

التوجهات الإستراتيجية هذه ليست سراً، بل هي صراع علني على المستقبل. أمريكا تحاول تجميد التاريخ عند لحظة تفوقها بعد الحرب الباردة، والصين تحاول كتابة تاريخ جديد يحمل اسمها في العنوان، وروسيا تحاول قلب صفحة التاريخ الحالية التي ترى نفسها فيها أنها لم تأخذ نصيبها في التوازن العالمي. أما اللا منحازون فهم يحاولون استغلال كتابة التاريخ الجديد ليكتبوا فصولاً تخدمهم.

إن المعركة الحقيقية تتجاوز التفوق العسكري أو الاقتصادي إلى معركة على المرونة والشرعية.. من هو الأكثر مرونة في مواجهة الصدمات الداخلية والخارجية؟ ومن الذي سيقدم رواية مقنعة عن النظام العالمي المستقبلي الذي لن يكون لكبار اللاعبين فقط، بل لتلك القوى الوسيطة التي تمسك بصوت حاسم في تشكيل القرن الحادي والعشرين؟ إجابة هذين السؤالين هي التي ستحدد، في النهاية، من سيترك بصمته الأكثر ديمومة على صفحات التاريخ الجديد الذي يُكتب أمام أعيننا.

00:10 | 6-02-2026

ولادة عالم جديد

منذ أن اندلعت الحرب الأوكرانية كتبت مقالاً بعنوان مع روسيا أو أوكرانيا، ذهبت فيه إلى أن «الموضوع أكبر وأبعد من مفهوم الاصطفاف مع أي فريق؛ لأن ما يحدث الآن هو إعادة تشكيل للنظام العالمي. وأن التحوّلات العميقة المتسارعة التي تصاحبه في هيكلة توزيع القدرات الاقتصادية، والعسكرية، وأنماط التفاعلات والتجاذبات الجارية بين القوى الرئيسة داخل النظام العالمي الجديد الذي يتشكّل حالياً هي لبناء نظام متعدد الأقطاب». وفي مقال آخر بعنوان أمريكا إلى أين؟ ذكرت فيه إن «النهج الذي تنتهجه الولايات المتحدة في علاقاتها السياسية والاقتصادية والدولية يقوم على مفهوم الكابوي الذي يعتبر أن له كامل الحق في الموارد المتوفرة في أي مكان في العالم، فالعالم في نظره ما هو إلا مرعى كبير يجب أن يحصل عليه بأبخس الأثمان. كما أن أمنه مُقدّم على أمن واستقرار الآخر». الصورة اليوم أصبحت أكثر وضوحاً من خمس سنوات تقريباً عندما تطرّقت لهذا الشأن المهم.

اليوم، بعد مضي سنوات عدة من الحرب، تتبلور معالم «النظام متعدّد الأقطاب» الذي تنبأت به، لكن بملامح أكثر حدة وتعقيداً مما توقع كثيرون.

نشهد اليوم حالة من التسارع التاريخي وانهيار الجسور، حيث عملت الحرب كمحفّز نووي للتحوّلات، فقوّضت في أشهر ما كان يستغرق عقوداً من العولمة الليبرالية بقيادة غربية. ولم يصبح «الانفصال الاستراتيجي» بين الكتل عملية نظرية، بل واقعاً في سلاسل التوريد والأنظمة المالية وتكنولوجيا الاتصالات. العالم لم ينقسم إلى معسكرين واضحين (الغرب ضد الباقي)، بل إلى شبكة معقدة من التحالفات المرنة والمصلحية، حيث تتعاون دول الجنوب مع بعضها ومع القوى الكبرى خارج الأطر التقليدية، مقدّمة سيادتها وتنميتها على الأيديولوجيا.

نحن اليوم أمام ولادة «القطبية المتشابكة» (Entangled Multipolarity) التي هي أشبه برقعة شطرنج متعدّدة المستويات تتكوّن من القطب الأمريكي الذي لا يزال الأقوى عسكرياً وتقنياً، لكنه يفقد هيمنته الاقتصادية ويكاد يفلس، كما أنه يفقد حاضنته الأخلاقية، ويعاني من استنزاف داخلي وتراجع الثقة في قيادته. أما القطب الصيني-الروسي الذي يعد تحالفاً تكتيكيّاً قائم على مقاومة الهيمنة الغربية، لكنه هش بسبب التفاوت الهائل في القوة الاقتصادية بالنسبة لروسيا، أما بالنسبة للصين فإن التوجهات الاستراتيجية طويلة المدى لم تتبلور بعد خاصة نحو إعادة مركزة النظام العالمي تحت القيادة الصينية. وأخيراً قوى «اللامنحازين الفاعلين»: (الهند، البرازيل، تركيا، السعودية، إندونيسيا، جنوب أفريقيا مصر وغيرها). هذه هي القوة الصاعدة الحقيقية في المعادلة. فهي ترفض الانصياع للأمر الواقع، وتتفاوض مع جميع الأطراف، وتستغل التنافس لتعظيم مكاسبها. وتكمن قوتها في «سياسة الرفض» – رفض الانحياز، رفض تطبيق العقوبات الأحادية، رفع سقف مطالبها. هم بناة القطبية الحقيقيون.

نعم النظام متعدّد الأقطاب القادم لن يكون أكثر سلاماً أو استقراراً، بل على العكس، سيكون أكثر تنافسية وتوتراً مع صراعات بالوكالة واحتكاكات إقليمية. لكنه، من ناحية أخرى، قد يكون أكثر إنصافاً في التمثيل والمساواة في السيادة. لن تهيمن قيم وأجندة كتلة واحدة على القرار الدولي. سيكون صوت دول الجنوب الصاعد أعلى، وسيكون على القوى العظمى التفاوض بدلاً من الإملاء. لا شك إن هذا النظام الأكثر إنصافاً يولد وهو يحمل في حمضه النووي تحديات وجودية. أول ما يواجهه هذا النظام الجديد فجوة الحوكمة العالمية. حيث إن المؤسسات الدولية الحالية (الأمم المتحدة، صندوق النقد، مجلس الأمن) هي نتاج نظام القطب الواحد أو الثنائي القديم. كيف ستتطوّر لتستوعب «اللامنحازين الفاعلين» وتنجز إصلاحات جوهرية؟ هذا الموضوع وغيره من تحديات ستكون موضوع مقال آخر.

00:05 | 30-01-2026

العطش البترولي..

بعيد عن المبالغة والتصورات والاحتمالات المبنية على الظن. يستطيع القارئ الحصيف أن يعلم أن هناك عطشاً شديداً للبترول. لقد حاول الغرب من عشرات السنين إقناع العالم أن عصر البترول على وشك الانتهاء. رفع الغرب شعار المحافظة على البيئة من أجل أن يصدّق الجميع أن البترول غير صديقٍ للبيئة، طالبوا بالتوقف عن الاستثمار في البترول وإخراجه من باطن الأرض. الصين لم ترغب في الاصطدام بالغرب فالتزمت بالشروط البيئية التي حوّلتها لصالحها. الدول الأقل حظاً في القارة الأفريقية أو اللاتينية والعديد من دول العالم تحمّلت فاتورة التلوث البيئي الناتج من الثورة الصناعية للدول الغربية. العديد من المسرحيات التي أجادت السياساتُ الغربية إخراجها على مسرح الحياة. تصب لصالح أهداف أغلبها مشبوهة تسعى إليها، منها الهيمنة على موارد الدول النامية أو الدول التي يخشى الغرب من انبعاثها. سخّر الغرب كل قوته الاقتصادية والمالية والإعلامية والدعائية لتوظيف الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الشيوعية والدكتاتورية من أجل السيطرة على الموارد. هذه السياسات التي تسبّبت في إزهاق الأرواح البريئة وخسارة التنمية والاقتصاد للدول التي استهدفتها هذه السياسات العدائية والعدوانية. الأمثلة عليها عديدة: الشرق الأوسط الكبير، الحرب ضد أسلحة الدمار الشامل، قانون قيصر، اختطاف الرؤساء، حصار كوبا، سياسة الاحتواء ضد الاتحاد السوفييتي من أجل تفكيكه، الحرب الفيتنامية، الحرب الأهلية الكورية التي انتهت بتقسيم الكوريتين، الحروب الأهلية في القارة الأفريقية، تقسيم السودان، وغير ذلك من أمثلة يطول سردها نُفّذت في كل القارات تقريباً.

الغرب بنى ازدهاره على مآسي الآخرين. اليوم ما نراه من حروب كلها تصبُّ في خانة ومربع الهيمنة والسيطرة وتهديد الأمن الذي يبرع فيه الغرب ويبدع ويتألق فيه. السردية الغربية التي يسوقها الغرب في حقيقتها تهدف لتمرير هذه الأجندة العدوانية التي تُخالف وتُناقض كل ما يرفعه الغرب من شعارات. ما يقوم به الغرب في حقيقته إدمان على الطاقة الرخيصة والموارد بثمن زهيد، ودولارات وعملات غربية ورقية لا تساوي قيمة المِداد الذي كتبت به أو الطاقة التي صنعت به هذه العملات الرقمية.

الانطباع المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها الاكتفاء الذاتي في إنتاج البترول. هذا التوقّع غير دقيق وفيه تبسيط كبير. تحتاج الولايات المتحدة النفط الفنزويلي والآخر لأسباب متنوعة ومتداخلة، رغم أنها أصبحت منتجة رئيسية للنفط بفضل الثورة النفطية الصخرية.

العديد من المصافي الأمريكية على خليج المكسيك مصمّمة لمعالجة النفط الثقيل الذي تنتجه فنزويلا والمكسيك وكندا. استيراد النفط الثقيل يعني تشغيل هذه المصافي بكفاءة دون الحاجة لإعادة تكييفها. أن أمن الطاقة الأمريكي يعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي والواردات المتنوعة، ومع استخدام التجارة النفطية كأداة جيوسياسية عندما يتطلب الأمر. لأن الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري يتأثر بتقلبات الأسعار. لهذا الاستيراد يساعد في تثبيت السوق المحلي عندما ينخفض الإنتاج.

الولايات المتحدة الأمريكية تعرف أن رخاءها وحياتها يعتمد على البترول. السر الذي كان وراء ازدهارها في القرن العشرين وإن استمرار هذا النمو يجب أن يقوم على تأمين البترول والسيطرة على مناطق إنتاجه. يجب أن لا ينخدع العالم بالسردية التي يبثها الإعلام الغربي، ولا تمرر على المجتمعات المبررات التي يشيعها الغرب. فهم يلهثون وراء البترول والثروات والسيطرة. الشرق الأوسط الكبير مخطط لم ولن يتركه الغرب. أنهم يسعون للفوضى الخلاقة. الفوضى التي تمكنهم من الوصول لخيرات الشرق الأوسط.

وهكذا، يتجلى أن «العطش البترولي» ليس مجرد تعبير مجازي عن حاجة اقتصادية، ولكنه المحرك الخفي لخرائط الصراع العالمية وسياسات الهيمنة عبر التاريخ. فالغرب، الذي رفع رايات الحداثة والديمقراطية وحماية البيئة، ظل في صميم سلوكه الجيوسياسي يستخدم هذه الشعارات كأقنعة تلتحف بإستراتيجية واحدة ثابتة: ضمان تدفق النفط الرخيص والمستمر إلى مصانعه وسياراته، وحفظ نظام عالمي يضمن تفوقه. السردية التي يرويها الغرب عن نهاية عصر النفط وضرورة التحوّل الأخضر تبقى انتقائية ومشروطة.

لذا، فإن الفهم العميق لسياسات الطاقة والقوة ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية للدول النامية. فلا يمكن مواجهة إستراتيجية «الفوضى الخلاقة» وخطاب «البيئة الانتقائي» إلا بوعي جماعي يفضح التناقضات، وبسيادة وطنية حقيقية على الموارد، وبشراكات دولية تقوم على العدالة لا على الإملاءات. فالنفط، قبل أن يكون سلعة، هو سجل دموي للصراع على القوة، ولن تنتهي فصوله إلا حين تتحرر الشعوب من وهم الخطاب المزدوج، وتصوغ مصائرها بيدها، بعيداً عن «العطش» الذي يحرك الآخرين.

00:02 | 23-01-2026

البحث عن الأصول..

عندما يوشك رجل الأعمال على الإفلاس، فإنه يلجأ إلى البحث والتفتيش عن الأصول؛ أي كل ما تملكه الشركة أو الأفراد من موارد ذات قيمة، أو حق، بعد أن يكون قد استنفد كل الوسائل الأخرى؛ هكذا تفعل بعض الدول أيضاً، بل في الواقع تعمل ما هو أسوأ لتنقذ نفسها من الانهيار، أو من الضعف الذي يحيق بها. إن استخدام القوة الصلبة (الأصول العسكرية) في حل المشاكل الاقتصادية يعني شيئاً واحداً أساسياً؛ وهو ضعف الخيارات والقدرات الذاتية على حلِّ الوضع المالي من خلال الاقتصاد.

إشغال العالم والداخل باستخدام القوة مؤشر على الضعف الشديد وفقدان الإبداع لهذا العملاق الذي تسمع حركته في الشرق والغرب. الدولة العظمى لن تزول في القريب العاجل بل تنزوي وتغرب شمسها رويداً رويداً؛ كما زالت الأمبراطورية البريطانية عندما ضعفت اقتصادياً. إن تراجع «القوة الناعمة» (النموذج الجاذب، الذي كسب ثقة العالم في الدولار، وفي الشرعية الأخلاقية التي أخذت تنهار وتتهاوى) هو السبب الجذري الذي يدفعها حالياً للاعتماد أكثر على القوة الصلبة والعقوبات (الجيش، والتهديد، والحوافز المادية للمتعاونين). إن اللجوء إلى «الأصول الصلبة» (الجيش) عند الأزمات يشبه فعل المفلس الذي يبيع أصوله الأساسية للبقاء؛ مما يعني استنزافاً للمستقبل.

فرض الضرائب والرسوم الجمركية والإفراط في استخدام العقوبات المالية وعمليات الاحتواء الاقتصادية ضد الدول التي تغرد خارج السرب، ليس دليلاً على القوة بقدر ما هو دليل على عدم القدرة على المنافسة؛ السياسات الحمائية مؤشر على فقدان الثقة بالنفس وبالإمكانيات الذاتية. أغلب ما نراه من إجراءات لا تعالج المشكلة الاقتصادية وإنما تزيد من حدتها. مثال على ذلك رغبة الحكومة في زيادة ميزانية الجيش 50%، أو محاربة الهجرة وسياسات الترحيل التي تنتهك حقوق الإنسان وتضر بالاقتصاد. إغلاق الحدود سيترتب عليه ضعف في السياحة، ويفاقم المشكلة ولا يساعد على حلها أو تخفيفها.

الخوف من فقدان الهيمنة يزيد من حدة الأزمة الاقتصادية؛ وكذلك عدم الاعتراف بالمتغيّرات مثل صعود الصين كقوة اقتصادية، والهند وغيرها من دول تشقّ طريقها نحو تشكيل توازن قوى يسارع في عوامل الضعف الاقتصادي. كما أنها تكاد تكون لا تذكر مفهوم «القوة الذكية» التي تجمع بين القوتين الصلبة والناعمة، إن السياسات الحالية تخل بتوازن هذا المزيج لصالح الخيارات القصيرة المدى التي تضر بالاقتصاد الأمريكي وما يتبع ذلك من تبعات عالمية.

اختارت أمريكا اللجوء إلى أصولها التي مهما طال الزمن ستُستنزف، كما استُنزفت في حروبها في فيتنام وأفغانستان والعراق والشرق الأوسط. بدلاً من الاستثمار الضخم في البحث العلمي، التعليم، والبنية التحتية. وإصلاح النظام الضريبي الداخلي لصالح المجتمع بكل فئاته. وتجديد التحالفات عبر الدبلوماسية والتعاون بدلاً من التهديد.

هذه الحروب التجارية التي أشعلتها واشنطن، وفرضها لرسوم جمركية عالية، بدلاً من استثمار الطاقة في ابتكار منتجات أفضل (تنافسية اقتصادية حقيقية)، أضرّ بالاقتصاد الأمريكي والعالمي؛ الشيء ذاته في لجوئها تلجأ لرفع (الرسوم الجمركية) ومقاضاة المنافسين (العقوبات) لحماية منتجات قديمة. التاريخ الاقتصادي يُظهر أن السياسات الحمائية، كما في قانون «سموت-هاولي» للتعريفات عام 1930، غالباً ما تزيد الكساد عمقاً. الخطر هنا ليس فقط في عجز أمريكا عن المنافسة، بل في أنها، عبر هذه الإجراءات، تُضعف نظام التجارة العالمي الذي ساعدت على بنائه وكان مصدراً رئيسياً لهيمنتها السابقة.

وهكذا، يتبيّن أن هذا العملاق العسكري يتحرك اليوم كتاجر مُفلس في السوق الأخيرة؛ يلهث خلف أصوله الصلبة المُتبقية، يُرهن مستقبله لإنقاذ حاضره المهترئ. إن الصراخ العالي بواشنطن، وإصرارها على حل كل معضلة بلسان الطوربيد والعقوبة المالية، ليس إلا صفير القطار الذي ينزلق عن سكته، محاولاً إقناع العالم - وإقناع نفسه- بأن الضجيج دليل على القوة، بينما هو في الحقيقة أوضح إعلان عن الفراغ.

23:56 | 15-01-2026

جذور القانون الدولي..

يكشف لنا التاريخ القديم النقاب عن البذور الأولى التي نما منها القانون الدولي الحديث، متتبعًا مسار تطوّره من بداياته البدائية إلى صورته المعقدة اليوم. فالقواعد التي سادت في القرون ما قبل الميلاد، ثم في العصور الوسطى، وصولاً إلى مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعد الحرب العالمية الثانية، ليست مجرد أحداث منعزلة، وإنما تشكّل حلقات متصلة في سلسلة تطوّر الفكر القانوني المنظم للعلاقات بين الكيانات السياسية.

ولذلك، فإن الدراسات القانونية المتعلقة بتاريخ القانون تهتم بهذا الجانب الحيوي، لما له من أثر كبير وأهمية قصوى في معرفة أصول القانون الدولي أو المحلي لكل حضارة وكل عصر من العصور. فمن خلال تشريعات حمورابي ومعاهدات السلام في الشرق الأدنى القديم، وصولاً إلى اتفاقيات ويستفاليا التي أسّست لفكرة الدولة القومية، وعهد عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة، نستطيع فهم الأسس الفلسفية والسياقية التي قامت عليها المبادئ الحاكمة اليوم، مثل سيادة الدولة، وحظر استخدام القوة، واحترام حقوق الإنسان.

ولذلك، فإن دراسة هذا التاريخ لا تنفصل عن دراسة الحاضر؛ فهي ليست غوصًا في الماضي لأجل معرفة الماضي، بل هي عملية حفرٍ في الطبقات العميقة لتراكم التجربة الإنسانية. إنها إضاءة للعُقَد والتحوّلات المفصلية التي صاغت المفاهيم السياسية والقانونية، مما يزودنا بمفاتيحَ لفهم المشهد الدولي المعقّد اليوم وتطلعاته المستقبلية.

وبينما يُظَنُّ البعض أن مبادئ حظر استخدام القوة وسيادة الدولة التي أكدها ميثاق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية قد حسمت الجدل، فإن الممارسات العملية تظهر استمرار تحدياتها. فالعقلية التي تبرر التدخل انطلاقاً من منطق الهيمنة الإقليمية أو تغيير الأنظمة غير المرغوب فيها لم تختفِ تماماً. بل هي امتداد لمدارس السياسة الخارجية الفكرية للولايات المتحدة التي تقوم عليها ولا تخرج عنها. وتُذَكِّرنا تصريحات مثل تلك التي صدرت عن إدارة الرئيس الأمريكي في عام 2020، والتي لم تستبعد «خياراً عسكرياً» للتعامل مع الأزمة في فنزويلا، بحقب سابقة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية والأوروبية. فهذه التصريحات تستحضر إلى الذهن عقيدة مونرو (القرن التاسع عشر) التي جعلت من الأمريكيتين مجالاً للنفوذ الحصري للولايات المتحدة، وممارسات التدخلات المباشرة في أمريكا الوسطى والكاريبي خلال القرن العشرين. كما تثير مقارنات مع حالات تدخل أخرى في الشرق الأوسط على خلفية «محاربة الإرهاب» أو «تغيير الأنظمة». هذه السوابق مجتمعة تطرح سؤالاً جوهرياً عن مدى استقرار القاعدة القانونية الدولية في مواجهة إرث الاستثناءات والمصالح الجيوسياسية، وتؤكد أن المعرفة التاريخية لهذه السوابق هي الوسيلة الأمثل لتقييم الادعاءات المشروعية في الحاضر واستشراف مستقبل النظام الدولي.

يُظهر المسار التاريخي أن القانون الدولي غالباً ما يكون ساحة لصراع بين المبدأ الثابت والمصلحة المتغيرة. فسلوكيات القوى العظمى، كما يتجلى في سجل تاريخي طويل، تتبع نمطاً براغماتياً واضحاً في التعامل مع القواعد الدولية. وهذا النمط، في لحظات أفول الهيمنة أو التحوّل الجيوسياسي الكبير، يصبح مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار وتهديداً للنظام القائم. وعليه، فإن المعرفة التاريخية العميقة لهذه السوابق والأنماط ليست ترفاً فكرياً، بل هي أداة ضرورية لفك شفرة الحاضر، وتقييم ادعاءات المشروعية، والاستعداد لما قد يحمله المستقبل من تحديات لنظام قانوني لا يزال يتشكّل في ظل توازنات القوى المتغيّرة.

00:00 | 9-01-2026

المعرفية والإنسانية

المعرفة عند الإنسان البدائي كان يحصل عليها من تجاربه وخبراته وما تعلمه من حكماء جماعته. كانت العلوم عبارة عن تجارب حصل عليها من حواسه وملاحظاته. وتطوّرت الوسائل من شفهية والتلقي إلى الكتابة، فقد تم اختراع الكتابة في بلاد الرافدين ومصر القديمة (حوالى 3200 ق.م) وفي الجزيرة العربية الأمر الذي سمح بتخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال. وقد قدّمت الحضارات اليونانية والفارسية والهندية والصينية والإسلامية ومفاهيم الفلسفة والمنطق والملاحظة المنظمة وتأسيس المنهجية العلمية والعقلانية الكثير من المعرفة. وكان دور الصين والهند القديمتين هامين في المعرفة وبشكل خاص صناعة الورق، البارود، الرياضيات، والروحانيات والغاية الكبرى والانسجام الأخلاقي الذي ركّز على الأخلاق والسلوك الصحيح لتحقيق النظام في المجتمع (الكونفوشيوسية). كما أسهمت الحضارة الإسلامية في التطوير العلمي والرياضيات والطب والفلك والكثير من العلوم الإنسانية طوال القرن 8 من الميلاد وحتى 14م. وجاء عصر النهضة الأوروبية (14-17م) الذي من خلاله تم إحياء التراث اليوناني-الإسلامي وبداية الفن والتجربة. ثم الثورة العلمية في أوروبا (القرن 16-18) التي تحولت فيها المعرفة إلى مجالات متخصصة (العلوم الطبيعية/الاجتماعية) وارتباطها بالتكنولوجيا، أو ما يسمى الثورة الصناعية والتخصص المعرفي. ثم جاء ما يسمى بعصر التنوير وتأسيس المعرفة المؤسسية؛ وانتشار الأفكار العقلانية وإنشاء الأكاديميات العلمية والمجلات المحكمة. وفي القرن العشرين خطت الإنسانية إلى عصر المعلومات والعولمة واختراع الحاسوب والإنترنت، مما جعل المعرفة متاحة عالمياً وسريعة التطور.

إن آليات التطوّر المشتركة تكمن في التراكم التي من خلالها يتم إضافة معلومة جديدة على المعرفة القديمة. ومن خلال النقد ومراجعة النظريات القائمة يحدث التطوير وكذلك يُساهم التلاقح الحضاري في انتقال المعرفة عبر الثقافات (مثل طريق الحرير)، ومن خلال تطوّر أدوات البحث (المجهر، التلسكوب، الحاسوب).

هذا التطوّر لم يكن خطياً، بل تفاعلياً، تأثر بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والدينية، فضلاً عن دور الترجمة مثل بيت الحكمة في بغداد، وترجمة أعمال المسلمين في الأندلس إلى اللاتينية. ودور المؤسسات مثل الجامعات (الأزهر، القرويين، ثم بولونيا وأكسفورد).

وتَسارَع إنتاج المعرفة بشكل كبير في القرون الأخيرة.

يقول الدكتور معين القطامين «نحن اليوم أمام انفجار معرفي غير مسبوق يغيّر شكل العالم أسرع مما نستطيع استيعابه. انفجار البيانات العالمية من 15.5 زيتابايت عام 2015 إلى 175 زيتابايت في 2025 وصولًا إلى 1000 زيتابايت متوقعة عام 2030. هذا ليس تضاعفًا... هذا انفجار معرفي يغيّر كل شيء». إنه انهيار معرفي لنصف عمر المعرفة التي نتحصل عليها. في حين أنه منذ 100 عام كانت المعرفة تبقى صالحة لعقود. كل ذلك تغيّر مع السرعة والتسارع في إنتاج المعرفة، لأن المعرفة

اليوم قد تصبح قديمة خلال شهور قليلة.

تقارير WEF, OECD, IBM، والعديد من المعاهد

العلمية تؤكد أن: نصف عمر المهارة: 5 سنوات

نصف عمر المهارات التقنية: 2.5 سنة أو أقل

بعض التخصصات تتقادم معرفتها خلال 12 شهرًا فقط. بل 3 أشهر في عالم الخوارزميات والسوشيال ميديا. وفي الطب قد تتقادم خلال سنتين. لقد أصبح العالم ينتج قرابة مليون بحث طبي سنويًا! هذا يعني: 2740 بحثًا يوميًا.

أمام هذا الانفجار المعرفي يفرض علينا لزامًا التحوّل من امتلاك المعرفة إلى إدارة المعرفة التي تعلم كيفية البحث، التقييم النقدي للمصادر، الربط بين المجالات (التفكير البيني).

وأهمية المهارات الناعمة: مثل التفكير النقدي، الإبداع، المرونة الذهنية، التعلم المستمر. هذه المهارات تقاوم التقادم أبطأ من المهارات التقنية الصرفة. كما أصبح لزاما على المؤسسات التعليمية تغيير دورها من نقل المعرفة إلى بناء قدرات التعلم الذاتي والتمحيص.

نعم الحل يكون في محاولة مواكبة التطوّر بالاطلاع على آخر المستجدات وتناولها ككبسولات. واستخلاص الحكمة والمقصد والهدف من المعارف والمفاهيم في ضوء التجارب الإنسانية والخبرات التراكمية.

00:02 | 2-01-2026

المعرفة المكتسبة من قراءة الكتب..

تعتبر قراءة الكتب إحدى الوسائل الأساسية لاكتساب المعرفة، غير أن هذه المعرفة ليست نقية أو مباشرة كما قد يبدو للبعض. يتضح ذلك إذا دققنا النظر في ماهية المعرفة التي نحصل عليها من قراءة الكتاب، نجد أن ما قرأناه هو معرفة غير محايدة تمثل وجهة نظر ومفهوم الكاتب. كما أن المعرفة التي نحصدها من الكتب تكون متأثرة بمفاهيم القارئ الخاصة ومعرفته. هناك العديد من العناصر التي يجب أن ينظر لها ونحن في صدد تحديد ماهية المعرفيّة التي نقصدها. لأن المعرفة من الكتب كما أسلفنا ليست محايدة تمامًا - كل كاتب ينطلق من خلفيته الثقافية، تجاربه الشخصية، وأيديولوجيته، مما يؤثر على الطريقة التي يقدم بها المعلومات. تفاعل القارئ مع النص -عنصر يجب النظر فيه وفي أثره الهام. لأن القارئ لا يكون صفحة بيضاء، بل يحمل مفاهيمه المسبقة وخبراته تؤثر في استقباله للنص وفهمه له. وما يستخلصه قارئ من كتاب قد يختلف تمامًا عما استخلصه قارئ آخر؛ القراءة ليست استقبالًا سلبيًا - إنها عملية نشطة من التفكير النقدي والتفاعل مع الأفكار. كما أن الكتب ليست كلها من نفس النوع - هناك فرق بين كتاب يقدّم رأيًا شخصيًا وكتاب أكاديمي خضع لمراجعة التدقيق والبحث والتحري، أو كتاب تاريخي يعتمد على وثائق.

المعرفة عادة تُنتج في سياق ثقافي واجتماعي وسياسي محدد. كما أن الكاتب ليس فقط فرداً بل هو جزء من نظام معرفي أكبر. والقارئ ليس صفحة بيضاء بل متفاعل ومتلقٍ غير محايد في أغلب الأحيان. وبمعنى آخر المعرفة ابنة سياقها الثقافي والاجتماعي والسياسي. والكاتب لسان حال نظام معرفي أكبر، وليس صوتًا فرديًا خالصًا. حتى القارئ، فهو شريك في إنتاج المعنى، يتفاعل مع النص من خلال عدسة خبراته ومعتقداته، مما يجعله متلقياً غير محايد في الغالب.

قراءة الكتب تظل وسيلة غنية لا غنى عنها للحصول على المعرفة، لكن يجب أن نقرأ بوعي نقدي. وأن نتنوع في قراءاتنا لنسمع أصواتًا مختلفة. وندمج القراءة مع تجارب حياتية أخرى. ومن المهم إدراك أن المعرفة الحقيقية تتطلب جهدًا تفكيريًا يتجاوز مجرد استهلاك المعلومات؛ حتى لا تكون الكتب كمصادر مطلقة للحقيقة، بل كمواد للتفكير والحوار والنقد.

إذن، إذا كان الحياد المطلق شبه مستحيل، فكيف نقترب من المعرفة الموثوقة؟ هنا تبرز قيمة الموضوعية الأكاديمية، التي لا تدعي الحياد الكامل بل تسعى جاهدة لتقليل التحيز عبر منهجيات صارمة في البحث والمراجعة والتحقق.

لذلك، تظل قراءة الكتب وسيلة غنية لا غنى عنها، شرط أن نقرأها بوعي نقدي، نتنوع في مصادرنا، وندمجها مع تجارب الحياة. فالمعرفة الحقيقية تتطلب جهداً يتجاوز استهلاك المعلومات، لتصبح الكتب ليست مصادر مطلقة للحقيقة، بل وقوداً للحوار الدائم وإعمال الفكر.

00:03 | 26-12-2025