تشهد إيطاليا، الجمعة، موجة جديدة من الاحتجاجات والإضرابات في عدد من المدن الكبرى، بينها روما وميلانو وتورينو وبولونيا وباليرمو، وسط استنفار أمني ومخاوف من تجدد أعمال العنف التي شهدتها البلاد خلال الأسبوعين الماضيين، ولا سيما في مدينة ميلانو.
وتأتي التحركات الجديدة في إطار إضراب عام دعت إليه نقابات عمالية، احتجاجا على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، فضلا عن الاعتراض على زيادة الإنفاق العسكري وتوجيه مزيد من الأموال إلى التسلح على حساب الخدمات العامة والصحة والتعليم.
وتمتد الدعوة إلى التحرك إلى أكثر من 50 مدينة إيطالية، بمشاركة عمال وطلاب ونشطاء، فيما تستعد العاصمة روما لاستضافة تظاهرة رئيسية، بالتزامن مع تحركات في المراكز الحضرية والصناعية الأخرى.
وقال وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوزي إن الأجهزة الأمنية في حالة تأهب تحسبا لوقوع اضطرابات خلال الاحتجاجات، على خلفية أعمال العنف التي شهدتها مدن إيطالية خلال عطلات نهاية الأسبوع الماضية، لكنه أكد أن مستوى الاستنفار لا يتجاوز ما تعاملت معه السلطات في السابق.
وأشار الوزير إلى وجود مخاوف من أساليب التعبئة التي تستخدمها بعض المجموعات لحشد المتظاهرين في الشوارع، معربا عن ثقته في قدرة القيادات الأمنية المحلية وقوات الشرطة على التعامل مع التطورات، بما في ذلك الأحداث غير المتوقعة.
وتراقب السلطات بشكل خاص التحركات في ميلانو، التي شهدت في 17 و18 أكتوبر الماضي مواجهات عنيفة بين متظاهرين وقوات الشرطة، تحولت خلالها بعض مناطق وسط المدينة إلى ساحات اشتباك، تخللتها أعمال تخريب ونهب وإضرام النيران في ممتلكات عامة وخاصة.
وأظهرت مشاهد الاحتجاجات آنذاك مواجهات بين مجموعات من الشباب الملثمين وعناصر الشرطة، التي استخدمت الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه لتفريق المتظاهرين، فيما تعرضت متاجر ومنشآت في وسط المدينة لأعمال تخريب، وأُصيب نحو 25 شخصا، بينهم 10 من أفراد قوات الأمن، بحسب تقارير إعلامية إيطالية.
وامتدت التوترات بعد ذلك إلى مدن أخرى، إذ شهدت تورينو وروما وبولونيا اشتباكات بين الشرطة ومجموعات من المتظاهرين خلال تحركات 24 أكتوبر، استخدمت خلالها قوات الأمن الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه، بعد إلقاء زجاجات وألعاب نارية وأشياء مختلفة باتجاه عناصر الشرطة.
وفي مواجهة المخاوف من تكرار هذه المشاهد، عززت الحكومة الإيطالية الإجراءات الأمنية، وقررت نشر 500 جندي إضافي في ميلانو، إلى جانب القوات الموجودة بالفعل، مع تكثيف المراقبة الأمنية واستخدام الطائرات المسيرة وتوسيع عمليات التفتيش في محيط المحطات والمناطق الحيوية.
ولا تقتصر تداعيات تحركات اليوم على الجانب الأمني، إذ يتزامن الإضراب العام مع احتمالات حدوث اضطرابات في قطاعات النقل والتعليم والصحة والخدمات العامة، رغم صدور قرار من وزير النقل ماتيو سالفيني بتأجيل إضرابات النقل في عدد من القطاعات، وهو ما رفضه اتحاد النقابات القاعدية الذي تمسك بدعوته إلى الإضراب.
وتتمحور مطالب المحتجين حول زيادة الأجور بما يتناسب مع معدلات التضخم، وخفض أسعار السلع الأساسية وفواتير الطاقة والإيجارات، إلى جانب الاعتراض على تخصيص موارد مالية إضافية للإنفاق العسكري، في وقت ترى فيه النقابات أن الخدمات الاجتماعية والقطاعات العامة تعاني نقصا في التمويل.
وتضع هذه الاحتجاجات حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أمام تحديين متزامنين؛ أولهما احتواء التوترات الأمنية ومنع تكرار أعمال التخريب والاعتداءات على الشرطة، والثاني التعامل مع حالة الاستياء الاجتماعي المرتبطة بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، في ظل اتساع رقعة التحركات النقابية والطلابية.